في وقت يواجه فيه قطاع الصيد البحري تحديات متزايدة مرتبطة بالتغيرات المناخية وارتفاع حرارة مياه المحيط وتراجع وفرة بعض الموارد البحرية، حملت نتائج التقييم العلمي الأخيرة لمصيدة الأخطبوط مؤشرات إيجابية أعادت قدراً من التفاؤل إلى الأوساط المهنية، وأكدت في الوقت نفسه أهمية البحث العلمي في توجيه قرارات تدبير الثروة السمكية بالمغرب.
فخلال اجتماع لجنة تتبع مصيدة الأخطبوط المنعقد يوم 22 يونيو الجاري، كشفت المعطيات العلمية المقدمة من طرف المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري عن تحسن ملحوظ في وضعية مخزون الأخطبوط بمختلف مناطق الصيد الوطنية، وهو ما يعكس نجاعة التدابير المعتمدة خلال السنوات الأخيرة في مجال تدبير المصيدة والحفاظ على استدامتها.
وقد ترأس الاجتماع السيد إبراهيم بودينار، الكاتب العام لقطاع الصيد البحري، بحضور السيد محمد نجيح، المدير العام للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، والسيدة أمينة فكيكي، المديرة العامة للمكتب الوطني للصيد، والسيد العربي مهيدي، رئيس جامعة غرف الصيد البحري، إلى جانب ممثلي غرف الصيد البحري والهيئات المهنية وفاعلي قطاع الصيد التقليدي.
وأبرزت نتائج التقييم العلمي أن مخزون الأخطبوط يواصل تسجيل مؤشرات إيجابية على مستوى مختلف مناطق الصيد، فيما سجلت المنطقة الجنوبية، التي تعد الخزان الرئيسي لهذه المصيدة، ارتفاعاً في الكتلة الحية للمخزون بنسبة 13 في المائة مقارنة بسنة 2025. ويعكس هذا التطور قدرة المورد على التجدد واستعادة توازنه البيولوجي، بفضل فترات الراحة البيولوجية والإجراءات التدبيرية المعتمدة خلال المواسم الماضية.
غير أن الخبراء شددوا، في المقابل، على ضرورة مواصلة الحذر، بعدما أظهرت الدراسات العلمية وجود أعداد مهمة من صغار الأخطبوط داخل المصيدة، وهو ما يفرض الاستمرار في تدابير الحماية والمراقبة لضمان نمو هذه الأحياء البحرية ووصولها إلى الأحجام التجارية المناسبة، بما يحافظ على استدامة المورد ويجنب تكرار سيناريوهات الاستنزاف التي عرفتها بعض المصايد في مراحل سابقة.
ويعزز هذا التطور المكانة المحورية التي بات يحتلها المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري داخل منظومة تدبير الثروة السمكية الوطنية. فبعيداً عن منطق التدبير الظرفي، أصبحت الحملات العلمية الدورية وعمليات تقييم المخزون تشكل الأساس الذي تبنى عليه القرارات المتعلقة بمواسم الصيد والكميات المسموح باستغلالها والتدابير التنظيمية المواكبة لها.
ولقيت هذه النتائج ارتياحاً ملحوظاً في صفوف المهنيين الذين اعتبروا أن تحسن وضعية مصيدة الأخطبوط يمثل بارقة أمل بعد موسم اتسم بصعوبات متعددة، من بينها تراجع مردودية بعض المصايد وتقلص وفرة أنواع بحرية مهمة، خاصة السردين، فضلاً عن انعكاسات ارتفاع حرارة المياه وتكرار اضطرابات الأحوال الجوية على نشاط الصيد.
ويرى عدد من الفاعلين المهنيين أن الموسم الصيفي المرتقب قد يشكل فرصة للتخفيف من التداعيات الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها هذه الظروف على البحارة والعاملين بمختلف حلقات سلسلة الإنتاج البحري، سواء على مستوى الصيد أو التفريغ أو التسويق أو التصنيع، خاصة وأن الأخطبوط يعد من المنتجات البحرية ذات القيمة التجارية العالية والأسواق التصديرية المهمة.
وفي هذا السياق، أعلنت كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري استئناف الموسم الصيفي لصيد الأخطبوط ابتداء من فاتح يوليوز 2026، وذلك عقب انتهاء فترة الراحة البيولوجية الربيعية التي انطلقت في فاتح أبريل الماضي. ومن المرتقب أن يتم خلال الأيام المقبلة الإعلان عن الكميات الإجمالية المسموح بصيدها (TAC) وباقي التدابير التنظيمية المؤطرة للموسم الجديد.
وتؤكد المؤشرات الحالية أن الرهان الحقيقي لم يعد يقتصر على تحقيق مواسم جيدة ظرفياً، بل يتجلى في ترسيخ نموذج وطني لتدبير المصايد يعتمد على المعرفة العلمية والتتبع المستمر والتكيف مع التحولات المناخية المتسارعة. فنجاح مصيدة الأخطبوط اليوم لا يمثل فقط مكسباً اقتصادياً للقطاع، بل يشكل أيضاً دليلاً على أن الاستثمار في البحث العلمي البحري أصبح أحد أهم أدوات حماية الثروة السمكية وضمان استدامتها للأجيال القادمة.






















































































