المغرب الأزرق
تلقى الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز قبل أيام رسالة تعزية من الملك المغربي محمد السادس، على إثر وفاة نجله السيد أحمد محمد عبد العزيز في حادث سير قرب مدينة الطينطان الواقعة على بعد 750 كيلومتراً شرق العاصمة نواكشوط، حيث كان في رحلة عمل لصالح «هيئة الرحمة» الخيرية التي يرأسها.
ووصفت الرسالة بأنها كانت حميمية أكثر من أي رسالة تعزية ديبلوماسية جامدة. وتلا الرسالة زيارتان أداهما القائم بالأعمال في السفارة المغربية بموريتانيا، واحدة قام بها مع غالبية السفراء المعتمدين في نواكشوط بالقصر الرئاسي لتقديم واجب العزاء رسمياً، وأخرى إلى بيت والد الرئيس الموريتاني بحي لكصر الشعبي، حيث مكث ولد عبد العزيز وحرمه ثلاثة أيام لاستقبال أفواج المعزين من سكان نواكشوط. وكان حضور القائم بالأعمال لافتاً بعيدا من الأجواء الرسمية.
وقُرئت هذه الخطوات إعلامياً في موريتانيا والمغرب على أنها استمرار لمسلسل انفراج العلاقات الديبلوماسية الموريتانية المغربية التي ساءت كثيراً في الأعوام الأخيرة إلى حد غياب السفيرين في كل من الرباط ونواكشوط، من دون استدعاء رسمي أو علني وتولي القائمين بالأعمال مهامهما على امتداد الأعوام الثلاث الأخيرة.
وبدأ مسلسل الانفراج عندما أوفد الملك المغربي وفداً وصف بأنه رفيع المستوى ضم وزير الخارجية صلاح الدين مزوار، ورئيس جهاز الاستخبارات ياسين المنصوري، والشخصية الثانية في الجيش المغربي بوشعيب عروب، إضافة إلى وحدات من الجيش إلى مدينة نواذيبو للمشاركة في الاحتفالات بالذكرى الـ55 للعيد الوطني الموريتاني. وبعد أسبوع عاد الوفد نفسه إلى القصر الرئاسي الموريتاني للقاء رئيس الجمهورية برفقة السفير المغربي المعتمد في نواكشوط، والذي لم يعد يقيم في موريتانيا. وعلى رغم عدم الاعلان عن نتائج المحادثات، إلا أن الوفد المغربي صرح للصحافة الموريتانية بأنهم بحثوا مع الرئيس الموريتاني العلاقات المغربية-الموريتانية، وبلغوه تحية نظيره المغربي. اعتبر الرأي العام المغربي وكذلك الموريتاني أن هذه الزيارة هي بداية ذوبان الجليد بين البلدين.
ودام هذا الجمود في العلاقة بين الطرفين ما يزيد على ثلاث أعوام، غير أن العلاقة فعليا بدأت تسوء منذ تولي الرئيس الحالي للحكم إثر انقلاب عسكري في الثامن من آب (أغسطس) 2008، على رغم أن كل الدلائل كانت تشير إلى أن العلاقات بين البلدين ستتحسن وتثمر، إذ أن الرئيس الحالي كان يقود جناحاً في الجيش الموريتاني، مقرباً من المغرب، وهو نفسه تخرج من الكلية العسكرية بالمغرب وزوجته ولدت وعاشت هناك.
ويزيد توتر العلاقات الموريتانية- المغربية ثلاث قضايا رئيسة، أولها قضية الصحراء الغربية العالقة منذ 35 عاماً، والتي وإن كانت موريتانيا وقفت فيها موقف الحياد في الأعوام الأخيرة وأصرت عليه، إلا أن الحرب التي دارت رحاها بين الأطراف الثلاثة في نهاية سبعينيات القرن الماضي لا تزال تلقي بظلالها على أي علاقة ثنائية بين البلدين، والقضية الثانية هي علاقة المغرب بالجزائر المتوترة جداً على خلفية دعم الجيش الجزائري لحركة «البوليساريو» التي يعتبرها المغرب معادية له، فأي تقارب بين الجزائر وموريتانيا تستقبله المغرب بحساسية مفرطة، والثالثة هي اتفاقات الصيد بين موريتانيا والاتحاد الأوروبي من جهة، وبين المغرب والاتحاد الأوروبي من جهة أخرى، حيث ترغب المغرب في وقوف موريتانيا إلى جانبها لتشكيل جبهة تجارية واحدة للتفاوض مع الاتحاد الأوروبي بخصوص صيد السمك وتصديره، بينما ترى موريتانيا أن على كل من الطرفين أن يفاوض باسمه فقط.
وتتمثل هذه العلاقة المتوترة حاليا ً في سحب السفيرين الواقع فعلياً وغير المعلن إعلامياً، فضلا عن أن الملك المغربي ألغى أكثر من مرة زيارة كانت مقررة إلى موريتانيا. وعادة يكون الإلغاء في اللحظات الأخيرة وهو ما ترك استياء كبيراً في نواكشوط. وبلغ التوتر أوجّه إبان القمة الهندية- الإفريقية الأخيرة حينما رفض الرئيس الموريتاني لقاء العاهل المغربي على هامش القمة.
وتشير التطورات الأخيرة في مسار العلاقات بين البلدين إلى قرب الانفراج الذي ستبدو بشائره في أول زيارة سيقوم بها محمد ولد عبد العزيز إلى الرباط التي لم يزرها منذ توليه الحكم، أو ربما ستأتي المبادرة من العاهل المغربي الذي أدرج زيارة نواكشوط على قائمة برنامجه أكثر من مرة وتراجع عن ذلك لأنه لم يلمس ترحيباً من الطرف الموريتاني، أو أن البرتوكول المغربي أدرك في وقت متأخر أن نتائج الزيارة لن تكون بحجم المطلوب أو المتوقع.
ويتوقع المحللون السياسيون الموريتانيون والمغاربة زيارة رئاسية إلى الرباط أو ملكية إلى نواكشوط في الأشهر الأولى من العام 2016، وهو ما سيكون المحرك الرئيس لعودة العلاقة بين البلدين لسابق عهدها.






















































































