حاميد حليم-المغرب الأزرق
مقارنة مع ظروف و ملابسات الفزعات و القومات التي تعجعج كلما تم المساس بالوحدة الترابية لم نسمع عن هيئات مدنية تترافع حول ملف لا يقل أهمية عن ما يتعرض له المغرب من مناورات لتقليم أظافره و تحجيم سيادته على أرضه و صحرائه و بحره و ثرواته الطبيعية،و منها الفلاحية و السمكية.
ففي 10 دجنبر من السنة الماضية قضت المحكمة الاوربية ، ببطلان اتفاق التبادل الزراعي الحر الموقع بين الحكومة المغربية والاتحاد الأوروبي، ما تسبب في أزمة حقيقية بين الرباط و بروكسيل.
وحدها وزارة الخارجية من تحركت ، تلته خرجات اعلامية تحمل الكثير من التطمينات السياسية و على راسها الممثلة السامية للاتحاد الأوروبي المكلفة بالشؤون الخارجية والأمن فيديريكا موغريني التي أكدت أعقاب انعقاد مجلس الشراكة المغربي – الاتحاد الأوروبي في 14 دجنبر في بروكسل ، أن المغرب والاتحاد الأوروبي تجمعهما شراكة ” واسعة قوية ومتجذرة في إطار الشراكة المتقدمة التي يستفيد منها المغرب”.ليتقدم ذوو المصلحة في تثبيت الاتفاق بالطعن لدى المحكمة بالاستثئناف،ما تم تسويقه محليا على أنه انتصار في حين أنه فقط اجراء روتيني و طبيعي في المجتمعات الديمقراطية.
استباقيا ،سارع المغرب و بالسرعة القصوى الى الولوج الآمن لاسواق جديدة ،و ابرام اتفاقيات تقيه ضربة محكمة الاتحاد الاوربي،بكل من روسيا و الصين و الشرق الاوسط و أفريقيا. تاركا الاتحاد الاوربي تتناطح فيه جبهتان،الاولى و كما سلف الذكر الاقرب للمغرب جغرافيا و ثقافيا و اقتصاديا،و تاريخيا و هي فرنسا و اسبانيا و البرتغال.
فمصالح فرنسا من مصالح المغرب،أما اسبانيا و البرتغال فسمك المغرب قد يشفع له منافسة منتوجات البلدين الزراعية، تنضاف اليها الاعتبارات الامنية و هو ما تبني عليه هذه المجموعة ترافعها.
مقابل ذلك تبقى جبهة الشمال الاوربي من النرويج و السويد و هولندا، جبهة ممانعة تدعم ضرورة إلغاء منتوجات الصحراء الغربية من الاتفاقية مع المغرب، طالما لم يتم حسم النزاع في الأمم المتحدة حول السيادة على المنطقة. وتتبنى هذه الدول موقفاً وسطاً يتجلى في تمييز البضائع القادمة من الصحراء عن تلك القادمة من مناطق المغرب. وكانت هذه الدول قد فرضت في اتفاقية الصيد البحري مع المغرب تمييز التعويض المالي للصحراء عن باقي المغرب.
و هنا يجب التأمل في مضمون الترافع لمناصري تثبيت اتفاق التبادل الحر بين المغرب و الاتحاد الاوربي، المبني أساسا على الملف الامني، و في اعتقادنا المتواضع يبقى هذا الدفع ضعيفا مقارنة مع ما يمكن توفيره من أدلة منطقية.
بدء من كون الطاعن في اتفاق التبادل الحر بين المغرب و الاتحاد الاوربي،لا يمثل ساكنة المنطقة و انما يمثل ساكنة تندوف الهجينة و الغير المحصية و المبهمة المعالم.
كما أن قرار المحكمة تعمد ضرب مصالح المستثمرين من ساكنة الأقاليم الجنوبية،المنحذرين من ذات الاقاليم، و معها الطبقة الشغيلة و اقتصاد المنطقة و التنمية.
الى ذلك، فالدعوة الى تمييز المنتجات ذات المنشأ بالأقاليم الجنوبية، يفرض آلية مراقبة جديدة، المغرب وحده من يوفرها و الضامن لها، و لا يمكن فرضها على المستثمرين المغاربة و الصحراويين الوحدويين، ما يمكن اعتباره تجريدا من الوطنية و مساسا بالحقوق، و هو ما يناقض العدالة التي تتبجح بها المجتمعات الغربية بصفة عامة.
فكما سبقت الاشارة الى ذلك فالعديد من المستثمرين بالأقاليم الجنوبية في قطاعات الفلاحة و الصيد البحري و غيرهما، هم منحذرون من قبائل المنطقة، و مقيمون فيها قبل و بعد الاستعمار الاسباني منهم آل الجماني و آل الرشيد و كثيرون غيرهم ،ما يجعل من قرار المحكمة الاوربية قرارا تعسفيا و تطاولا على السيادة المغربية،و مسا بمواطنة ساكنة الاقاليم الجنوبية.بل وفرضا لوضع جديد بالمنطقة،على غرار المساعي الفاشلة لتوسيع مهام المينورسو لتشمل مراقبة حقوق الانسان بالاقاليم الجنوبية.
أما الشق الثاني من التمييز، فلن يكون إلا وسيلة من وسائل فرق تسد الاستعمارية ،و معلوم ان القوة المغربية في فلاحته و ثروته السمكية ، و جغرافيا تتمركز الفلاحة في الشمال، فيما الجنوب هو الخزان الطبيعي للمصطادات السمكية،و بالتالي فالهدف من العملية في اعتقادنا ليس حبا في الشعب الصحراوي و لا حماية موارده الطبيعية و ثرواته من الاستنزاف،و انما ابتزاز الفلاحة بالصيد البحري، حيث ان موقف الفلاحة ضعيف مقارنة مع فلاحة الاتحاد الاوربي ،و تعرف منافسة شرسة مع عدد من دول الاتحاد الاوربي، في حين تبقى ورقة المغرب في الصيد هي من يعادل الكفة،و بالتالي وجب تقليم أظافر المغرب،عبر قرار التمييز،لتحصيل مزيد من التنازلات.
و هنا و للتاريخ لا بد من استحضار الحرب الباردة بين المغرب و اسبانيا حول الطماطم،قبل ست سنوات و التي استعملت فيها اسبانيا امنتو حيدر بكل وساخة لابتزاز المغرب، و انتهى ملف الطماطم،و معه ملف أمينتو حيدر،و تبين أن اسبانيا كانت حاملة لشعار” امينتو من أجل مطيشتو”.
يبقى الكيل بمكيالين في مناورة جبهة ممانعة الاتفاقية خاصة من الدول الحريصة على مصالح ساكنة الاقاليم الجنوبية،هو الاقرب الى الحقيقة، فمعلوم أن أي قرار يطعن في الاتفاقية سيكون المغرب مجبرا على الدفاع عن مصالحه العليا و هي حفظ السيادة المغربية على الارض و ما تحتها و ما عليها و ما يخرج منها و قس على ذلك البحر.
ومعلوم أيضا أن أي رفض لقرار المحكمة من طرف المغرب يقابله مقاطعة المنتجات المغربية ذات المصدر من الاقاليم الجنوبية،و هنا مربط الفرس و الخطأ الذي ستسقط في الدول المتشدقة بالديمقراطية،اذ ان فرض أمر واقع سيكون من عواقبه ضرب التنمية بالأقاليم الجنوبية،فالمنطقة تقوم اساسا على الصيد البحري و الصناعات السمكية،و قطاع الصيد البحري كما يعرف أهل البحر و لا يعرفه السياسيون هو قطاع هش،و مجتمعاته تعي خطورة الهشاشة ما يجعلها دوما تنئى بنفسها عن الصراعات،و الحسابات الضيقة،حماية لمصالحها المشتركة .
ففي سيناريو مقاطعة المنتجات المصنعة في الاقاليم الجنوبية خاصة السمكية منها ، سيشكل الحادث ضربا مباشرا للاستثمارات،و تشريدا لليد العاملة من ساكنة المنطقة ،و خلق أزمة اقتصادية و اجتماعية بالمنطقة ، يقابلها تعطيل الاسطول الوطني للصيد البحري و الانشطة الاقتصادية المرتبطة به.
و في كلا الحالتين ستظهر البطالة و تتفشى الجريمة،و الاحتقانات و يتزعزع الاستقرار بالمنطقة….و ربما هذا ما لم تستحضره القوى الراديكالية المناوئة لمصالح المغرب،و مصالح ساكنة الاقاليم الجنوبية، قبل ان تعلن عن موقفها الداعم لحقوق الشعب الصحراوي.
و هذا ما يجب على اصدقاء المغرب الذين يترافعون بملف الامن القومي الاوربي،و تعاون المغرب في باب مكافحة الارهاب الدفع به.
فاستقرار اوربا من استقرار منطقة الساحل و غرب افريقيا،و يكفي ما سببه الربيع العربي السوري شرقا من نزيف الهجرة نحو الالدوادو الاوربي،ومن الجبهة الليبية جنوبا من مآسي انسانية حولت البحر الابيض المتوسط الى مقبرة،تتغذى اسماكه العجفاء على جثثت غرقاه.
و دون ان ننتظر هذا السيناريو الاسود الذي تسعى جهات الزج بالمغرب فيه، فقد كانت القيادة العليا أذكى و احنك،مستفيدة من مسطرة الحكم الاستئنافي،و من الانقسام في المواقف لتجد و بسرعة البدائل ، و تنوع من أسواقها، و تحافظ على سيادتها.و تقول للمحكمة الاوربية ايا كان قرارها ابتداء من يوليوز المقبل و الى غاية نهاية السنة الجارية ، كلوا عدالتكم ، فثرواتنا من سيادتنا.





















































































