بكثير من الجرأة غير المسبوقة، قرر قطاع الصيد البحري اليوم الجمعة تمديد فترة توقف نشاط صيد الاخطبوط بالنسبة للمنطقة البحرية جنوب سيد الغازي الى غاية منتصف دجنبر القادم.
القرار و ان كان جد قاسي من الناحية السوسيو اقتصادية لرجال البحر و تداعياته قد تضرب الدينامية الاقتصادية للجهات الجنوبية الثلاث على اعتبار أن هذه الأخيرة تعتمد بشكل أساسي على قطاع الصيد البحري كمحور أساسي للتنمية. إلا أنه من حيث المنطق هو تحصيل حاصل ليس للمؤشر العلمي فقط، بل كذلك لما تبقى من الزمن البيولوجي لصنف الأخطبوط، و بالتالي أي إعلان عن اطلاق رحلات الصيد خلال هذه الفترة سيكون خبط عشواء لن يزيد الوضع إلا تأزما بين التقليص الإجباري لفترة الصيد و بين ارتفاع تكلفة الإنتاج و مواجهة حالة المخزون غير المؤكدة.
ما تعيشه مصيدة جنوب سيدي الغازي من الناحية العلمية يجب أخذه بعين الاعتبار، كونه نسخة طبق الأصل لما عاشته نفس المنطقة من دورة بيولوجية في ذات الفترة قبل عقدين من الزمن.
اذا أن الإقتصار على تعليق الحالة على شماعة الصيد الجائر، سيكون تأكيدا على أن الإدارة و المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري و المهنيين و الفاعلين الاقتصاديين و الغرف المهنية و التمثيليات المهنية و النقابية على كثرتها و تعدادها، – كل هذه المكونات- لها ذاكرة السمك. كون و لنفس الأسباب تم اعتماد مخطط تهيئة مصيدة الأخطبوط 2004 لأربع سنوات (مؤقتة)،و بموجبه تم تدمير مئات قوارب الصيد التقليدي بدعوى خفض جهد الصيد، ترتب عنه تشريد آلاف الأسر، بالمقابل تم هدر ملايير الدراهم من المال العام في التعويض، و في تسمين حسابات أرباب بعض وحدات التجميد ،وتم تمكين أسطول الصيد بأعالي البحار تضامنيا من نسبة63% من الحصة الوطنية للأخطبوط(مؤقتا)،على حساب الصيد الساحلي الذي اكتفى (مؤقتا) ب 11%،قبل أن يتحول المؤقت الى مكتسب لفائدة جهات على حساب أخرى.
و ما شهدناه قبل أسابيع من خرجات بعض الجهات التي ترمي بالكرة في مرمى القوارب المعيشية أو الصيد غير النظامي و الى احدى وحدات التجميد ، هي من باب الاستهلاك الإعلامي لا غير، و محاولات لتغطية الحقيقة المرة بالغربال. و اذا كان ما يسمى ب”الائتلاف من أجل الحفاظ على الثروة السمكية” قد خرج ببيان يحاول من خلاله تقديم صورة ملائكية عن مكوناته التي نكن لبعضها كثيرا من التقدير ، إلا أن المبادرة في الواقع هي محاولة لتنصل البعض منهم من المسؤولية.
فليست القوارب المعيشية وحدها من يمارس الصيد الجائر بل حتى سفن الصيد بأعالي البحار التي تستعمل تقنية الحرث و دك المصايد و تدميرها ، فضلا عن استعمال اكسسوار “ترامبا”، كذلك الشأن بالنسبة لأسطول الصيد بالجر.
و بالعودة الى منتصف العقد المنصر سنجد أن بعضا من أسطول الصيد بأعالي البحار مثلا قد جار على المصيدة الجنوبية باستعمال ما يسمى بشباك GOV، و شباك MIXTE، كما سجلت حالات متعددة من الجور على المناطق الصخرية و على المناطق الممنوعة / المحمية، دون الحديث طبعا عن استعمال “ترامبا”،حيث تشهد مسرحية الحوت بثمن معقول على ترويج “السانديا”.
و بالنظر الى مكونات “الائتلاف من أجل الحفاظ على الثروة السمكية” دون الإشارة الى الأسماء ، فهي تشكل تحالفا سياسيا أكثر منه تحالفا مهنيا ، خصوصا و أنه يأتي بُعَيدَ لقاء بوزنيقة حيث كان “الطير على رؤس” الحاضرين باستثناء قيادات الكنفدرالية المغربية للصيد الساحلي.
و التوصيف ب “السياسي” هنا، لا يعني الانتماء السياسي و لئن كان أغلب قياداته من حزب التجمع الوطني للأحرار، و إنما هي رسالة تطمين لوزير الصيد البحري بوجود جهة مؤيدة لقرارات الإدارة ، و واجهة تعطي الانطباع بوجود وحدة صف مهني ، قبل الإعلان عن تمطيط الراحة البيولوجية الى دجنبر المقبل.
فيما يطرح السؤال عن باقي الهيئات المهنية الأكثر تمثيلية عددا و عدة و قوى عاملة، و الحديث هنا عن قطاع الصيد التقليدي مثلا، التي يصل تعداد أسطوله الى أكثر من 17 وحدة صيد، و يشغل وحده في الحد الأدنى 50الف بحار، مادامت غرفة الصيد المتوسطية خارج الائتلاف المذكور حتى لا تصنف هي و مكوناتها من المارقين.
أما الغائب المغيب في النقاش و هي شريحة رجال البحر التي تتعامل بشكل مباشر مع الثروة السمكية و المعني مباشرة بخطاب “المحافظة على الثروة السمكية”، و قرار قطاع الصيد البحري الاخير بتمديد الراحة البيولوجية، التي سيترتب عنها تباعا تعطيل آلاف من البحارة دون وضع تصور يحفظ الحد الأدنى من الكرامة في الدولة الاجتماعية.
و هنا لا بد من الاشادة بموقف المستشار البرلماني عن الكنفدرالية الديمقراطية للشغل الذي نجح في نقل صورة واقعية و قاتمة عن شريحة من رجال البحر و ما تعيشه في ظل تمديد الراحة البيولوجية من داخل قبة البرلمان في جلسة منقولة على المباشر عبر وسائل الإعلام، فيما شهدت الحوارات الاجتماعية القطاعية غياب تمثلية رجال البحر، و كأن الحوار الاجتماعي امتياز دستوري يعني فقط التمثيليات النقابية لموظفي القطاع العام.
ما يعكس حالة الإنفصام التي تعم علاقة “الباطرونا” و التمثيليات النقابية”، يثير سؤال “من يكون رجل البحر”، فتارة هو شريك اجتماعي من اجل حفظ السلم و الأمن الاجتماعي ، عندما تكون مصالح الباطرونا مهدده، و تارة هو حطب النار في الحرب الباردة بين الباطرونا و الإدارة لابتزاز المنافع.
و في الحالة الراهنة مع صدور قرار التمطيط ، فرجل البحر هنا هو أشبه ب “ابن القن” الذي يعاقب عوض “ابن السيد” عند الخطأ في المدارس الإقطاعية إبان عصر الظلمات ، حيث نشهد كيف يدفع رجال البحر ثمن ادعانهم لأوامر بعض الباطرونا الجشعة التي تتخفى وراء الشعارات و المبادرات، و تحميلهم مسؤولية الوضعية الحالية لتدهور مخزون الأخطبوط جنوب سيدي الغازي.
و على كل حال فإن واقع الحال يقول بالضرورة الاجتماعية لتفعيل اتفاق الإدارة المركزية مع شركات الصيد الصناعي،و الذي بموجبه يمكن لأسطول الصيد باعالي البحار ممارسة نشاط الصيد في غير المناطق المحمية ،و دون استهداف الاصناف الممنوعة ، فاسطول الصيد الصناعي ليس أسطول صيد الاخطبوط فقط، بل يمكن و بفضل تقنيات الصيد و الشباك القاعية المستعملة أن يستهدف اصنافا أخرى على الأقل لتشغيل البحارة الذين ضحوا بزهرة شبابهم و بحياتهم و أرواحهم و أسرهم، من أجل استخراج الثروة و تحويلها لملايير من الدراهم يتنعم فيها أرباب الشركات.
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم/
مستشار في الاعلام البحري و التواصل.





















































































