في ظل الطفرة التكنولوجية التي يعيشها العالم منذ قرن و نيف، اصبحت الحاجة الى تأمين مصادر للطاقة أولى الأولويات من أجل تأمين القيمة و التوريد، و الصناعات الأمنية و الطبية ، و بشكل أقل الحاجيات الضرورية من الطاقة الاستهلاكية في التدفئة غيرها من الاستعمالات الشخصية، فكانت الطاقة النووية هي الملاذ لرفع تحديات الطاقة، و ذلك لاعتبارات شتى.
و قد جاء التطور العلمي يشهد أن لهذه الطاقة النووية إيجابيات، تعود على الحياة في مختلف مجالاتها بالفائدة، حيث أثبتت نجاعتها في المجال الزراعي و الغذائي و الطبي، و كذا في مجال تحلية مياه البحر و توليد الطاقة و استكشاف مجاهيل الفضاء، فضلا عن تدني تكلفة الانتاج مقارنة مع حجم الانتاج مع باقي المصادر ، كما أن استهلاك هذه الطاقة لا ينتج عنه تحرير جزيئات ملوثة، او انبعاثات كربونية كما هو الشأن بباقي عناصر الطاقة الأخرى، من قبيل الغاز الطبيعي و الفحم، الذي يحرر أطنانا من ثاني أكسيد الكربون، مما يهدد سلامة الغلاف الجوي و ما يرتبط به من سلاسل حيوية..
الوجه المشرق للطاقة النووية لا ينبغي أن يغطي على الجانب المظلم ، و المتمثل في الاستغلال السيء لها ، حيث تشكل التجارب النووية وصمة عار على جبين الدول المصنعة، من خلال نتائج و مخلفات التجارب النووية التي جرت لعقود في البحار ، و النفايات المشعة المتسربة من خزانات الصواريخ و المركبات و الأقمار الاصطناعية، التي تلوث الهواء و الأرض حين ملامستها سطحها، و و تسقط بعد نهاية الخدمة في البحار ، ناهيك عن أن الغبار الذري الناتج عن الانفجارات النووية، و كلها عمليات تدمير ممنهج ضد النظم الايكولوجية البحرية .

هذا و لا تزال الذاكرة تشهد على أثار التفجيرات النووية التي شهدتها اليابان خلال الحرب العالمية الثانية في كل هيروشيما و نكازاكي ، و كذا التجارب النووية في المحيط الهادي ،حادث مفاعل “تشيرنوبيل” و مفاعل “مايلز ايلاند”، و ما نجم عنهما من انتشار إشعاعي مهول فوق أوروبا و جزء من آسيا، ينضاف إليها حادث تلويث مياه المحيطات، في الحادث الفضائي النووي المؤرخ ب 7/3/1983، بعد سقوط محرك نووي قدرت طاقته ب 110 كلج من اليورانيوم المشع المخصب في المحيط الأطلسي.
تشير الارقام الى أن أكثر من 90% من المحطات النووية تشيد بالقرب من السواحل و المسطحات المائية و ذلك لتسهيل استغلال المياه في تبريد الخزانات و تكثيف البخار ، غير أن المسكوت عنه و تصريف النفايات عبر هذه المسطحات ، و في الحد الادنى تتعرض المناطق المجاورة الى تسريب إشعاعي. فيما لا تزال الدول المنتجة للطاقة النووية تبحث و بشكل مستدام عن مطارح للنفايات النووية إما تحت الارض او في أعماق البحار، حيث تعتبر مناطق النزاع و مجال الدول الفقيرة هو الملاذ الآمن لطمر النفايات النووية ، و خاصة في دول إفريقيا.
فكثير من الدول الإفريقية، و تحت ضغط الفقر و الحاجة، يقبل مسؤولوها بأن تصبح أراضيهم مطارح للعوادم المشعة، دون اعتبار بتداعيات القرار على الوضع البيئي و الصحي ، أمام قوة الدولارات ، و لعل هذا يبدو جليا من خلال مجلة “لوسولاي” السينغالية، التي تحدثت في السابق و بشكل صريح عن “تجار النفايات النووية في القارة الإفريقية”، حيث كشفت الوكالة الدولية للطاقة في تقرير لها سنة 2003 عن “سوق النفايات النووية”، مشيرة إلى الموزمبيق الذي اتخذت الدول الصناعية من أراضيه مطرحا لرمي و طمر النفايات المشعة.
في نفس السياق، سبق لمجلس الأمن أن طالب من خلال تقارير أممية، بالتحقيق في نفايات سامة تم إغراقها في السنوات الأخيرة في المياه قبالة الصومال ، الأمر الذي عرفت معه السواحل الصومالية تدميرا للبيئة البحرية. هذا إن لم يتم إلقاء هذه المواد بشكل غير مكشوف، في المجالات البحرية لبعض الدول الإفريقية، الأمر الذي يؤكده ضبط سفينتين إحداهما إيطالية و الأخرى سويسرية، تقومان بإفراغ حمولتيهما بالقرب من الساحل الصومالي.

الوضع نفسه عانت منه طرابلس بليبيا، حيث تم إغراق شحنات من النفايات الخطرة في مياه ليبيا، مما أدى إلى موت الحيتان التي وجدت مرمية على ساحل “سرت” الليبية بداية سنة 1913.
و سواء تم طمر هذه النفايات بشكل علني أو غير مكشوف، فإن الوضع يبقى في العمق جريمة بيئية و سياسية و اجتماعية و اقتصادية.
فاطمة حطيب-المغرب الأزرق-الدارالبيضاء.






















































































