رغم مرور ما يقارب ثلاثين سنة على إحداث غرف الصيد البحري بالمغرب، لا تزال هذه المؤسسات غارقة في أعطاب بنيوية عميقة، تعيق أداءها وتحد من قدرتها على لعب دورها المفترض في النهوض بقطاع حيوي واستراتيجي كقطاع الصيد البحري.
ففي الوقت الذي تسعى الدولة إلى تحديث منظومة الحكامة البحرية، عبر قرارات جديدة كالقانون النموذجي للهيئات البيمهنية المنشور في الجريدة الرسمية عدد 7382 بتاريخ 27 فبراير 2025، تبقى غرف الصيد البحري، وخاصة صنف الصيد الساحلي، أسيرة قانون تأسيسي قديم، يعود إلى الظهير الشريف رقم 1.97.88، والذي يمنحها اختصاصات استشارية محدودة، دون أية سلطة تقريرية فعلية.
ورغم تنصيص المادة 23 من هذا القانون على إلزامية استشارة الغرف في ثلاث مسائل فقط – تتعلق بالأنظمة المنظمة للصيد، ومخططات تهيئة المصايد، وتحسين ظروف الشغل – فإن ذلك يظل في إطار الاستشارة غير الملزمة، ما يجعل هذه الغرف أقرب إلى مؤسسات شكلية، تُستأنس بآرائها ولا يُعوَّل عليها في اتخاذ القرار.
لكن المعضلة لا تقف عند حدود القانون، بل تمتد إلى الكتلة الناخبة داخل هذه الغرف، خصوصًا في صنف الصيد الساحلي، الذي نحن بصدده اد يكشف عن خلل عميق في التمثيلية.
فوفقًا لمصادر مهنية، لا تتجاوز نسبة المهنيين المنخرطين فعليًا في العمل النقابي أو الجمعوي 20%، في أحسن التقديرات، ما يعني أن الأغلبية الساحقة من الناخبين تبقى غير مؤطرة، وغير معنية بالشأن التمثيلي إلا في يوم الاقتراع.
أما سلوك التصويت، فيغلب عليه منطق الزبونية والمصالح الضيقة، حيث يُنتخب المرشح بناءً على علاقاته الشخصية بالادارة أو قدرته على (تدبير الامتيازات)لا على كفاءته أو التزامه بقضايا القطاع. وهنا تبرز ظاهرة (الكتلة الصامتة) التي لا تطأ الموانئ طيلة مدة الولاية، لكنها تحضر بقوة يوم التصويت، موجهة في أغلبيتها من قبل مكاتب محاسبة(مول لحساب )التي تلعب دور الوسيط الانتخابي، إما بدعم مرشحين أو الترشح بشكل مباشر.
في ظل هذه الأجواء، تتحول الغرف إلى مؤسسات لتسهيل المعاملات، وتدبير الامتيازات، بدل أن تكون فضاءً ديمقراطيًا للمشاركة المهنية وبناء التصورات الجماعية حول مستقبل الصيد البحري.
ومن المفارقات العجيبة، أن بعض هذه الغرف تقدم (الفائض المالي)المحقق في ميزانياتها كمؤشر إيجابي على حسن التسيير، في حين أنه في الكثير من الحالات يعكس تقصيرًا واضحًا في أداء المهام، وجمودًا مؤسساتيًا خطيرًا، إذ لم تُصرف الميزانيات في برامج فعلية تستجيب لحاجيات المهنيين، أو تنمي البحث العلمي، أو تدعم الرقمنة والسلامة داخل الموانئ ،وخير مثال وضعية المرفق الاجتماعي الوحيد وهو دار البحار في اگادير ،خير شاهد حيث يعيش على الصدقات ،في حين لدى غرفة الصيد من الامكانات ما سيجعل هذا المرفق مثالًا يحتدي به على الصعيد الوطني والقاري،
في حين تسجل بعض التمويلات لمشاريع يغلب عليها الطابع السياحي شمال اگادير نمودجا .
بل إن هذا الفائض، في حال لم يكن ناتجًا عن نجاعة في التدبير، قد يُفسر كعلامة على غياب المشاريع، وسوء الحكامة، وغياب آليات التشاور والتخطيط، في مؤسسات تموَّل من المال العام، لكنها لا تبرر وجودها لا بالأثر ولا بالفعالية.
غرف الصيد البحري اليوم بحاجة إلى أكثر من قرارات تنظيمية. إنها في حاجة إلى جرعة حقيقية من الديمقراطية المهنية، والنزاهة، والفعالية، حتى لا تظل مجرد مؤسسات لتصريف الامتيازات، بل تصبح شريكًا فعليًا في رسم السياسات العمومية البحرية، وحلقة أساسية في سلاسل القيمة المرتبطة بالبحر.
كتبها للمغرب الأزرق عبد الخالق جيخ
كاتب و خبير في الصيد البحري






















































































