شهدت العاصمة الرباط يوم 2 يونيو الجاري ، أشغال ورشة وطنية مفصلية نظمتها كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، إيذانًا ببدء مرحلة جديدة في مسار إصلاح غرف الصيد البحري. يهدف هذا الإصلاح الجذري إلى تحويل هذه الغرف من كيانات خاضعة لوصاية الدولة وذات تأثير محدود، إلى فاعلين جهويين حقيقيين يتمتعون باستقلالية القرار المالي والمؤسساتي، وموقع مؤثر في التنمية المجالية والاستثمار المحلي.
لم يكن اللقاء مجرد حوار عابر، بل استند إلى حقائق صارخة كشفها تقرير المجلس الأعلى للحسابات (2023-2024)، الذي فضح الهشاشة البنيوية، سواء المالية أو التنظيمية، التي تعاني منها غرف الصيد. حيث كشف اعتماد هذه المؤسسات شبه الكلي على الدعم العمومي، مما يشل قدرتها على ممارسة اختصاصاتها الدستورية. فيما تشكل الإعانات الحكومية والرسم المهني الجماعي الموردين الأساسيين، لا تتجاوز المداخيل الذاتية في بعض الغرف 1%، وتكاد تنعدم في أخرى.
أزمة التبعية المالية: عائق أمام الطموح
ما تعانيه غرف الصيد البحري هو هيمنة “منطق الإعانة” بدلًا من “منطق الشراكة والتنمية”. و هو واقع يجعلها مجرد مؤسسات استشارية في الظاهر، مقيدة في الجوهر، و عاجزة عن إطلاق المشاريع أو حتى التأثير في السياسات العمومية.
لم يتوانَ التقرير عن الإشارة إلى غياب استراتيجيات واضحة لتنويع الموارد، وتأخر مزمن في المصادقة على الميزانيات، وضعف ملحوظ في منظومة الحكامة، بالإضافة إلى غياب أنظمة التدقيق والرقابة الفعالة.
إن الانتقال نحو نموذج جديد لا يمكن أن يتم دون إعادة هيكلة جذرية لمصادر تمويل الغرف. يو لك من خلال احداث عدة مسارات حيوية:
- تمكين الغرف من تدبير مشاريع مدرة للدخل: يمكن أن يشمل ذلك منصات التسويق، أسواق السمك، أنشطة التكوين المتخصص، وخدمات الدعم الفني، متجاوزين بذلك الخدمات المجانية التي تقدمها مندوبيات الصيد.
- إعادة توزيع جزء من مداخيل الرسوم والجبايات البحرية: تخصيص حصة من هذه المداخيل، لا سيما تلك المتأتية من أنشطة موانئ الصيد، لصالح الغرف.
- تشجيع الشراكات الفعالة: حث القطاع الخاص والمهنيين على المساهمة الطوعية، تقديم خدمات مدفوعة، والهبات الموجهة لتنمية القطاع.
- إحداث صندوق تمويل قطاعي متخصص: إنشاء صندوق خاص بالصيد البحري يساهم في تمويل مبادرات الغرف والمقاولات المهنية بشروط تفضيلية.
- تقنين موارد مالية جديدة: استحداث موارد مالية جديدة بموجب النصوص القانونية المعدلة، مما يمنح الغرف مرونة أكبر في التصرف والتخطيط الذاتي.
أدوار جديدة في التنمية الجهوية: من الاستشارة إلى المبادرة
الإصلاح لا يقتصر على الشق المالي فحسب، بل يمتد لتعزيز دور الغرف في التنمية الجهوية من خلال:
- التمثيلية الفعالة: ضمان تمثيلية الغرف داخل المجالس الجهوية والمنتخبة، لضمان مشاركتها الحقيقية في إعداد وتنفيذ السياسات العمومية الجهوية المتعلقة بالصيد.
- المساهمة في تهيئة المصائد: دور فعال في إدارة الموارد البحرية وصونها.
- تنظيم سلاسل التسويق والتثمين: المشاركة في تنظيم هذه السلاسل وتشجيع استهلاك المنتوج الوطني.
- دعم البحث والتكوين: المساهمة الفاعلة في البحث العلمي والتكوين والتأطير المهني لقطاع الصيد.
تحرير القرار المهني التحدي الأكبر.
تؤكد الورشة على ما طالب به مهنيو الصيد لسنوات: تحرير القرار المهني من الوصاية، و توسيع صلاحيات الغرف التشريعية والتنفيذية، لتصبح شريكًا حقيقيًا للدولة، وليس مجرد جهاز استشاري محدود الأثر، قبول رأيه ورفضه سيان. و ه ما يتطلب بالموازاة تحيين القانون 04.97 وتوسيع اختصاصاته، وتعزيز تمثيلية الغرف داخل المؤسسات المنتخبة والمجالس التقريرية.
الرهان المطروح اليوم هو الانتقال من “غرف تحت الوصاية” إلى “مؤسسات فاعلة في التنمية الترابية”. هذا لن يتحقق دون تحرير القرار المالي، تنويع مصادر التمويل، تحصين الاستقلالية المؤسساتية، وتمكين الغرف من صلاحيات فعلية في التخطيط والتنفيذ والتقييم. إنها دعوة صريحة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والغرف المهنية، من منطق الرقابة إلى منطق الشراكة الحقيقية.
كتبها للمغرب الأزرق عبد لخالق جيخ
خبير في الصيد البحري.





















































































