حاميد حليم -المغرب الازرق
مرت 15 سنة على اختطاف واغتيال المناضل العمالي عبد الله موناصير . هذه الواقعة التي اهتز ت لها أكادير و شغيلة قطاع الصيد البحري و الراي العام . و وفاء لذكرى مناضل ضد الفساد و الاستبداد في قطاع الصيد البحري،كان لا بد من النبش في الذاكرة، لاستخلاص الدرس و العبرة.
ولد عبد الله موناصير سنة 1959 ، من أب هاجر من ايت تامر (60 كلم شمال أكادير) للعمل في الصيد البحري، كغيره من آلاف القرويين النازحين من منطقة حاحا بالأطلس الكبير الغربي، نظرا لصعوبة العيش في ظل انعد ام البنى التحتية و المرافق الاجتماعية و قساوة الطبيعة.
نشا عبد الله بحي أنزا الصناعي باكادير. في بيئة تحتضن الصناعة و اليد العاملة الكادحة ، المتخدة من السكن العشوائي و احياء الصفيح ماوى لها، انضم عام 1978 إلى نقابة القوات العمالية المغربية، بعد ان غادر المدرسة في المستوى الخامس الابتدائي.و كان حالة فريدة من مناضلي الطبقة العاملة المغربية: نموذج الكادح العصامي الذي تمكن بجهده الخاص من تسليح نفسه بنظرية النضال العمالي الثوري، مع حس نقدي حاد لا يكل من المساءلة.عاش تجربة تجذر قسم من الاتحاد الاشتراكي في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات، لا سيما في الشبيبة، وهي التجربة المستندة إلى الماضي النضالي للحركة الشعبوية (الاتحاد الوطني للقوات الشعبية) مكنته من العمل والتعاون مع جميع المناضلين من اجل القضية العمالية…
كان الفقيد حريصا على تدوين المعلومات عن أوضاع فرط الاستغلال بالمعامل وبقطاع الصيد البحري. نتج عن ذلك عشرات التقارير عن أوضاع البحارة والاستمارات من كل نوع عن أحوال العمال بمصانع أنزا وبالميناء، وعن المعارك العمالية، وعن احتجاجات الفقراء الذين تهدم السلطة بيوتهم بمبرر محاربة البناء العشوائي.
أولى اهتماما خاصا ببحارة الصيد بأعالي البحار، لا سيما بعد دخول الأسطول من ميناء لاس بالماس بجزر كاناريا إلى ميناء أكادير ابتداء من 1985، وانصب انشغاله على رصد أوضاع الاستغلال بهذا القطاع الذي كان في عز تطوره، وبإيجاد صلات بين عماله. وفي مطلع سنوات 1990 انكب على الإلمام بأوضاع النقابات لا سيما الكونفدرالية الديموقراطية للشغل المتميزة آنذاك بنفس كفاحي أقوى قياسا على غيرها، و أيضا بالقطاعات العمالية غير المنظمة. تابع عن كثب بعلاقات مباشرة التجربة النقابية بشركة اومنيوم المغربي للصيد، منذ نشأتها سنة 1993، وتعاون مع مناضليها. و كان وثيق الصلة بتجربة النقابة في الوكالة المستقلة للنقل الحضري باكادير، ومعاونا مجدا لها لا سيما على صعيد جهد الإعلام والتكوين. كان بقصد ربط الصلات في مختلف الأوساط العمالية، مستعملا بكثافة لسلاح المناشير، التي غالبا ما أجبرته الفاقة على استنساخها بحجم صغير، وكان يوزع مناشير الهيئات المركزية للكونفدرالية ، وبيانات النقابات الوطنية، بتصويرها من الصحافة.هذا الجهد الميداني، إلى جانب رفاقه، وبالأخص أقربهم إليه ازفرار محنذ( الذي قاسمه دون غيره كل المسار مناضل عصامي لم تطأ قدماه المدرسة)، هو الذي أثمر كراس أكادير النقابي (1996)، ونشرة البوصلة، والعديد من المناشير النقابية بمختلف القطاعات.
المواكبة اليومية، والتمسك بأي صلة بالوسط العمالي، وتقديم الخدمات النقابية لكل ذي حاجة إليها، كان المقدمة التي لا غنى عنها لتأسيس نقابة بحارة وضباط الصيد بأعالي البحار – في الكونفدرالية الديمقراطية للشغل– سنة 1993. أتاحت له مواظبة الصلات بالبحارة من التقاط الأهمية التي بدأ مشكل تعاضدية بحارة الصيد الساحلي يكتسيه في انشغالاتهم، وأدرك ما قد يمثله ذلك من مرتكز لبناء نقابة جماهيرية. وكالعادة كانت أولى الخطوات الإلمام الدقيق بالمسالة، فانكب عليها على الأوراق ( دراسة أنظمة التعاضدية) وفي الميدان بانجاز استمارات مع البحارة. نتج عن ذلك الدراسة التي نشرها بجريدة الأنوار بتاريخ 25 مارس 1997 ، بعنوان ” اتحاد البحارة هو الطريق لحماية مكاسبهم”، وعضويته باللجنة التي تشكلت لمحاسبة رئيس التعاضدية. قاوم بقوة داخل هذه اللجنة مضايقات السلطة التي بلغت حد منعه من دخول بناية ولاية أكادير.
ناضل من داخل الكونفدرالية الديمقراطية للشغل من اجل تأسيس تقاليد تضامن ميداني مع النضالات العمالية الجارية، بالتدخل لنصرة المضربين والمعتصمين، وبالإلحاح لقيام الأجهزة النقابية(المجلس النقابي والاتحاد المحلي) بواجباتها، تعرض للاضطهاد في النقابة بمنعه من توزيع المناشير والنشرات النقابية وحضور الاجتماعات. تعرض للضرب من مسؤول كونفدرالي-اتحادي يوم فاتح ماي 1994، لأنه احرق العلمين الصهيوني والامريكي. و تقرر طرده بموافقة المكتب التنفيذي لكدش. واصل تمسكه بالكونفدرالية، وطرح المشكل مباشرة على الأموي دون جدوى. فتطورت التجربة النقابية الناشئة آنذاك بين بحارة الصيد الساحلي حول مشكل التعاضدية وعبأت آلاف البحارة، ولم تجد من إطار غير الاتحاد المغربي للشغل، رغم الوعي بتبقرطه وفساده البالغين( راجع المقال عن مؤتمر ام ش الجهوي عام 1995 بكراس أكادير النقابي). وهكذا تأسست نقابة بحارة الصيد الساحلي في مارس 1997-( ا م ش)
عايش عبد الله موناصير مشكل سكن الكادحين في أنزا، و تجسد هذا الانشغال في العمل الميداني بانزا في إطار فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان ، ثم في تأسيس جمعية الأطلس الاجتماعية والثقافية، في صيف 1995، بحي تاووكت الشعبي، في هامش أكادير، حيث ينتشر ما يسمى البناء العشوائي و حيث تهدمه السلطة بمبرر لاقانونيته.
تحمس لتأسيس جمعية المعطلين، وكان دوما إلى جانب نضالات فرعها المحلي، كما شارك بإحدى أنشطتها الوطنية بالرباط، وكان من اقرب رفاقه العديد من مناضلي هذه الجمعية الصامدة. و ناضل في فرع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان باكادير، نشط بوجه خاص في رصد الخروقات المتعلقة بأوضاع الشغيلة، وفي حفز التضامن مع نضالات العمال وضحايا السكن غير اللائق.
وكان مبادرا إلى احداث لجنة مناهضة مشروع مدونة الشغل في فرع الجمعية، تلك التي كانت من المبادرات القليلة التي ظهرت آنذاك، ترمي إلى تحسيس الأجراء بخطر ما تزعم دولة أرباب العمل إدخاله من تغييرا على قانون الشغل تضر بمكاسب العمال.
التصفية الجسدية وسيناريو محضر البوليس
شهدت الأشهر القليلة السابقة لاختطاف موناصير تشديدا للرقابة البوليسية عليه، وهو ما اخبر به أقاربه ورفاقه. وتعرض لمحاولة اختطاف أولى بحي الموظفين باكادير. وكانت الثانية مساء يوم 27 مايو 1997، بايت ملول (15 كلم من أكادير). وظهرت جثته بحوض ميناء أكادير يوم 31 مايو.
فور تصفيته تناسلت روايات و تسريبات و اشاعات للتشويش على حقيقة الجرم ، ليخرج بعد مخاض عسير محضر بوليسي من (500 صفحة) برواية مفصلة لكيفية مشاركة خمسة نقابيين في عملية القتل، معزز باعتراف من المتهم الرئيسي بالقتل.
اتهمت أسرة موناصير المخابرات بقتله، ورفضت دفنه، متمسكة بوجوب إجراء تشريح طبي ثاني. كان ذلك موفقا إذ أثبتت التشريح تهافت الرواية البوليسية.
تعرضت فهدي خديجة ، رفيقة عبد الله بجمعية حقوق الإنسان وجمعية الأطلس، لضغوط بوليسية قوية للتراجع عن أقوالها بصدد مكالمة عبد الله الهاتفية لها من ايت ملول قبل لحظات من اختطافه. وتعرض أقارب عبد الله لضغط بوليسي لوقف اتهام جهاز المخابرات، وذلك بانجاز محاضر لهم تتضمن ذلك الاتهام، وقعوها بالفعل لكنها لم تكن ضمن ما قدم للمحكمة.
تجندت عائلة موناصير ونقابة البحارة للتشهير بالجريمة محليا ودوليا، وناضلوا من اجل إطلاق سراح المتهمين ظلما، وإجراء بحث نزيه. وتجندت اسر المتهمين ظلما في تعاون وثيق مع عائلة موناصير لتخليص المظلومين من مخالب جهاز القمع.وشهدت أكادير احتجاجات شعبية طيلة صيف 1997، مطالبة بالحقيقة و بتبرئة المتهمين ظلما.
فقد بدأ إضراب بحارة الجنوب من 24 سبتمبر 1998 ، وتقرر تمديده إلى 18 نوفمبر، وبالنظر إلى جماهيرية الإضراب الذي لم يسبقه مثيل في تاريخ كفاح البحارة ( شلل كلي لموانئ الصيد من أكادير إلى العيون)، جرت مفاوضات أفضت إلى توقيع اتفاق 6 نوفمبر 1998. وقد سبق تلك المفاوضات تحقيق المطلب الأول للإضراب بالإفراج عن المعتقلين الخمسة يوم 6 أكتوبر 1998.
عبد الله موناصير نموذج المناضل الوفي لمبادئه حتى اخر قطرة من دمه، سيظل موناصير عبد الله في قلوب عشرات آلاف البحارة وفي قلوب عمال المغرب. مات وهو يعلم أن النضال من اجل القضية التي استشهد من اجلها سيتواصل.

عن مجلة المناضل-ة بتصرف




















































































