منذ حوالي العقد من الزمن، ركزت البوليساريو و من خلفها الجزائر على اعتماد حرب تجفيف منابع التنمية بالأقاليم الجنوبية عبر التشويش على الاستثمارات . و كان الصيد البحري هدفا مكشوفا على اعتبار أن اقتصاد هذا الأخير يقوم على الاستثمارات الخاصة ، و أن الأقاليم الجنوبية يقوم اقتصادها بشكل كبير كذلك على الصيد البحري و ما تضخه الدولة في الاستثمار العمومي لتنفيذ مشاريع البنية التحتية او تدبير القطاعات العمومية، او الدعم العمومي الموجه للأفراد و الهيئات…
و منذ سنين كانت لنا مواكبة نعتز بها في مواجهة المحاولات البئيسة لاستهداف عدد من الوحدات الصناعية في تثمين المنتوجات البحرية، حيث عمدت بعض الجهات آنذاك الى الادعاء تارة بإقصاء أبناء المنطقة من التشغيل، و تارة ، بتلويث البيئة و استنزاف الثروة السمكية و سرقتها و ترحيلها الى “المغرب”، من خلال بيانات كانت تجد منتهاها بين تقارير البوليساريو لدعم أطروحتها المهترئة، أو عبر تسريب علامات تجارية لمنتوجات صنعت بالأقاليم الجنوبية للمنظمات البئيية و السياسية اليسارية، للضغط في اتجاه مقاطعتها في الأسواق الخارجية.
على مدى سنين كنا نتابع تطور الوعي لدى الجمعيات و المنظمات المدنية التي كانت بالأمس القريب منغمسة حتى الثمالة وراء مناورات البوليساريو و توصيات مؤتمراته، يدفعها السخط على الوضع في ظل البطالة و انعدام فرص حقيقة للاندماج في الوسط السوسيو اقتصادي، قبل أن نشهد على انقلاب جذري في المواقف بعد ظهور مؤشرات التنمية و ارتفاع وثيرتها و تمكن الكثيرين من إحداث مقاولات صغيرة و متوسطة و الاندماج في النسيج الاقتصادي للمنطقة.
الشاهد أن الكثير من شباب الأقاليم الجنوبية و في ظل أوضاع اقتصادية تؤثر حثما على الوضع الاجتماعي و النفسي، و من باب الوعي بالمسؤولية الجماعية لا يمكن إلا ترك مساحة من المرونة حيث يمكن أن يتشكل وعي ايجابي كما تشكلت مواقف متطرفة لأسباب محدودة في السبب الاقتصادي.
الشاهد كذلك و بعد سنين من المناورات و المناوشات – حيث كانت الأقاليم الجنوبية حاضنة لبؤر من التطرف الفكري او الثقافي المعادي و المتبني لطرح الانفصال، و بعد أهم خطوة ديبلوماسية أحدثت الفارق و قلبت الأوراق بدخول المنتخبين كممثلين شرعيين لساكنة الأقاليم الجنوبية على خط المفاوضات و الترافع و التدافع حول ملف الصحراء،- شهدنا تقهقرا كبيرا في مناورات البوليساريو و بؤسا تكتيكيا، و فشلا بعد آخر في جميع النقلات و على جميع الرقع الى درجة الافلاس ، كان أخرها طرق آخر مسمار في قانونية الصيد البحري و ترسيم الحدود البحرية و فرض الحماية على المنطقة العازلة بين معبر الكركرات و الحدود الموريتانية.
معركة الكركرات و في اعتقادنا المتواضع و على بساطتها من حيث الخسائر، قدمت فيها البوليساريو و الجزائر للمغرب فرصة ذهبية لطمر الحلم الرفيع لممر بحري نحو الأطلسي و فرض الحماية على “الطريق الدولية المغرب-افريقيا” بمباركة دولية بما فيها الاتحاد الأوربي و تجسيد جهة الداخلة وادي الذهب بوابة المغرب نحو افريقيا جنوب الصحراء.
و من جهة أخرى عززت هذه الواقعة من الدور الأمني للمغرب و انتقلت به من لعب دور “الدركي” في التصدي للهجرة غير النظامية و تجارة المخدرات و الارهاب و التطرف الى دور استراتيجي و أكثر حيوية الا و هو تأمين تدفق التموينات للاسواق الأوربية.
الغباء السياسي و الديبلوماسي و العسكري كذلك للبوليساريو تحت إشراف مدربها الجزائر، قدم شهادة من ذهب للعالم أن البوليساريو فعلا “قطّاع طرق” بمعناها البسيط السطحي.
يأتي هذا الحدث في سياقات متنوعة تزامنت مع انزال نوعي للديبلوماسية المغربية عبر فتح عدد مهم من قنصليات دول شقيقة و صديقة بالأقاليم الجنوبية من جهة، و موعد صدور التقرير الأممي حول الصحراء، و خطاب المسيرة الخضراء المتميز جدا عن سابقيه لحمولته السياسية الاقتصادية و التي تجعل من الاقتصاد الأزرق دعامة للتنمية بالمنطقة.
خلاصة المشهد أن المغرب يدفع ثمن الاستقلال و ثمن التنمية التي لا تريد الأطراف المنتفعة من الوضع له التقدم و التطور و الرفاه لشعبه، و كما شهدنا، ها هي عديد من الدول الأوربية التي كانت بالأمس القريب تدعم البوليساريو في أطروحته بخصوص الثروات الطبيعية، و تجرم استغلال المغرب لها، ها هي تصادق على اتفاقية الصيد بعدما جفت مصايدها السمكية نذكر بالخصوص الدول الاسكندنافية،
حتى إسبانيا التي كانت تناور عبر منظمات مدنية ضد مصالح المغرب، شهدنا كيف كانت عراب اتفاقية الصيد بين الاتحاد الأوربي و المغرب، و كيف تستنجد بالمغرب لحماية خطوط الإمداد بين اسبانيا و موريتانيا عبر الكركرات.
فيما تبين أن البوليساريو و “كوتشها” الجزائر، ورطوا الكثير من الدول و المنظمات السياسية و المدنية في صراعات جانبية استنادا على أطروحة عقيمة بدليل واقعة الكركرات، التي وصفتها احدى الصديقات كفعل أطفال صغار حينما يرنون على جرس بيت و يهربون.
و بالتالي فما تشهده الأقاليم الجنوبية من رعاية خاصة منذ 45 سنة ليس إلا محاولة لتقليص الفجوة بين الاستقلالين عن الاستعمار الفرنسي و الإسباني، و اطلاق تنمية موحدة مبنية على رؤية واقعية تجعل من المغرب رائدا في مكانه الطبيعي بأفريقيا.
و كان جد طبيعي أن تفعل قوى الاستعمار و ستبقى كما لا تزال ما في وسعها لتعطيل التنمية و شغل المغرب بفتن و قلاقل من أجل ابتزاز ما يمكن ابتزازه.
كتبها للمغرب الأزرق: حاميد حليم
مستشار في الاعلام البحري و التواصل.





















































































