المغرب الأزرق
في السنوات الأخيرة، كانت التوترات الجيوسياسية بين روسيا والغرب مرتفعة، ولكن لا تزال هناك مجالات حيث يظل التعاون البنّاء والحوار في حكم الممكن.
ولا تقتصر هذه المجالات على القضايا الحادة الملحة مثل البرنامج النووي الإيراني فحسب، بل وأيضاً القضايا طويلة الأجل الحرجة بالنسبة لمنطقة القطب الشمالي، مثل السلامة البحرية، وتنمية الطاقة، والتعامل مع تسربات النفط، وإدارة مصائد الأسماك..
وعندما تستضيف الولايات المتحدة وزراء خارجية الدول الواقعة على القطب الشمالي وبعض الدول الرئيسية غير الواقعة على القطب الشمالي في ألاسكا في الحادي والثلاثين من أغسطس (غدا) لمناقشة تغير المناخ وغير ذلك من المواضيع التي تهم المنطقة، فمن الأهمية بمكان أن يحرص الجميع على عدم السماح للخلافات في أجزاء أخرى من العالم بعرقلة المناقشات.
عندما تولت الولايات المتحدة ــ وهي دولة واقعة على القطب الشمالي ولديها مصلحة قوية في سلامة المنطقة ــ رئاسة مجلس القطب الشمالي في إبريل، أكَّدَت على استعدادها للتعاون مع كل أعضاء المنظمة، بما في ذلك روسيا. وسوف يلقي الرئيس باراك أوباما كلمة في مؤتمر أغسطس.
وهو ليس حدثاً خاصاً بمجلس القطب الشمالي، ولكن من المرجح أن يكون المنتدى الدولي الأعلى مستوى الذي تقوده الولايات المتحدة خلال فترة ولايتها للمجلس والتي تمتد لعامين.
تحدثنا منذ شهر إبريل مع مسؤولين وأكاديميين روس، فضلاً عن مسؤولين من عدة دول أخرى ملتحقة بعضوية مجلس القطب الشمالي. وفي هذه المناقشات، أكدت كل الأطراف على استعدادها للتعاون بشأن منطقة القطب الشمالي. ولكنها أكدت أيضاً على المخاطر التي تهدد هذا التعاون المأمول إذا سُمِح لقضايا خارجية بالتطفل على المحادثات.
كان الخلاف بين روسيا والغرب حول الصراع في أوكرانيا يُنظَر إليه باعتباره التهديد الأكبر للتعاون. وحتى برغم اتفاق المحاورين الروس على أهمية التعاون في منطقة القطب الشمالي، فإنهم أيدوا بقوة ضم بلادهم لشبه جزيرة القرم وأصروا على أن العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على مشاريع النفط والغاز الروسية في منطقة القطب الشمالي أقحمت على المنطقة قضايا جيوسياسية خطيرة.
ومن جانبهم تمسك المحاورون من الولايات المتحدة وأوروبا بالعقوبات واعتبروا التواجد العسكري الروسي متزايد الكثافة في منطقة القطب الشمالي استفزازياً وغير ضروري.
ولكن على الرغم من هذه التوترات الأساسية، فهناك اتفاق واسع النطاق بشأن قضايا القطب الشمالي الأكثر إلحاحا. فقد اتفقت الولايات المتحدة وروسيا وكندا والنرويج والدنمارك، على سبيل المثال، على حظر الصيد التجاري في المياه الإقليمية لمنطقة القطب الشمالي إلى أن يصبح في الإمكان إجراء البحوث حول الكيفية التي يؤثر بها الذوبان السريع للجليد وارتفاع درجة حرارة البحار على الثروة السمكية هناك.
الواقع أن تطوير حقول النفط والغاز في المنطقة يأتي عالياً على أجندة أغلب البلدان ذات المصلحة في المنطقة؛ ولكن تكاليف التشغيل في القطب الشمالي مرتفعة، ومع انخفاض أسعار الطاقة، فقد تباطأت أغلب المشاريع أو تم تأجيلها. وحتى برغم ذلك فإن شركات الطاقة الكبرى تحضر الآن للتنمية الحتمية لموارد القطب الشمالي الغنية، وهذا يعني أن العمل التعاوني لإدارة التسربات النفطية سوف يشكل ضرورة أساسية.
الواقع أن كل البلدان ــ وخاصة روسيا ــ تعاني من قصور في البنية الأساسية في القطب الشمالي؛ وحتى مع ذوبان الجليد البحري، فإن الشحن يظل محفوفاً بالمخاطر وغير مؤكد. وسوف يجتمع منتدى لقادة خفر السواحل قريباً للعمل على تعزيز قدرات البحث والإنقاذ.
ومن ناحية أخرى، أعربت مصادر روسية عن قلقها إزاء شيخوخة الأسطول الروسي الكاسر للجليد. والولايات المتحدة ذاتها لديها سفينة واحدة كاسرة للجليد. وربما يكون هناك مجال لمبادرات خلّاقة في هذا المجال، حيث تمتلك بعض البلدان، وأبرزها فنلندا، أساطيل كبيرة وقدرات يمكنها أن تساهم بها.
ولكن تظل الخلافات قائمة. ففي حين يقبل الغرب رغبة روسيا في تعزيز بنيتها الأساسية في المنطقة لدعم مصالحها الاقتصادية والأمنية، فإن المناورات العسكرية التي يديرها الكرملين هناك تظل تشكل نقطة بالغة الحساسية. وسوف تدور مناقشات عامة حول هذه القضايا في اجتماعات وزراء الدفاع في البلدان الأعضاء في مجلس القطب الشمالي، ولكن هذه المحادثات تم تعليقها رداً على الصراع في أوكرانيا. ومن المفيد للجميع أن يتم عقد منتدى لمعالجة هذه المواضيع.
في شهر أغسطس، قدمت روسيا مطالبة بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار والتي من شأنها أن تمد جرفها الإقليمي إلى حد كبير في القطب الشمالي، وهو ما قد يؤدي إلى تأجيج الصراع مع مطالبين آخرين. وسوف يستغرق الأمر سنوات لتسوية المطالبات المتنافسة بموجب المعاهدة، ولكن حتى الآن، كانت كل الدول المعنية تلعب وفقاً للقواعد.
وسوف تتعزز هذه العملية إذا انضمت الولايات المتحدة إلى كل بلدان منطقة القطب الشمالي الأخرى في التصديق على الاتفاقية، ولكن في عموم الأمر، لم تمتد الفجوات الخطيرة في الاتصال والتفاهم بين روسيا والغرب بعد إلى أقصى الشمال. وبوصفها رئيسة مجلس القطب الشمالي، فيتعين على الولايات المتحدة أن تعمل على الحفاظ على بيئة إيجابية وبنّاءة في المنطقة. وسوف يتطلب تحقيق هذه الغاية الإبقاء على الباب مفتوحاً للحوار الجاد مع روسيا، بهدف تحديد القضايا التي قد يكون التعاون بشأنها مفيداً لكل الأطراف.
لا أحد يتوقع أن تكون الدبلوماسية البنّاءة بين روسيا والغرب سهلة في أي مكان. ولكن الجانبين يدركان تمام الإدراك أن التعاون في منطقة القطب الشمالي أفضل كثيراً من الصراع. ولا شك أن هذه المصلحة المشتركة من شأنها أن تكون مكاناً جيداً لانطلاق المؤتمر.





















































































