قبل أسابيع شنت بعض الصحف الإسبانية مسنودة باعلام الجزائر و البوليساريو ، حملة موجهة تحاول التهويل من حجم قرار المحكمة الاوربية بعدم قانونية اتفاقية التجارة مع المغرب و تداعياته على هذا الأخير بسبب الوضع السياسي و الاعتباري للصحراء المغربية.
قبل أن يخرج بوريطة بتصريح يضع النقط فوق الحروف و يوضح أن 17 يوليوز ليس إلا موعد نهاية سريان بروتوكول الصيد البحري (2019-2023) غير القابل للتجديد تلقائيا. و أن التوقف هو تحصيل حاصل و لا علاقة له بقرار المحكمة الذي يبقى مفتوحا قبل صدور قرار نهائي متم السنة الجارية.
الإعلام الموجه خصوصا منه الإسباني حاول إثارة العديد من القضايا بشكل موازي كاستعمال أسطول الصيد التقليدي المغربي بالدائرة البحرية المتوسطية الشباك المنجرفة العائمة، و مسألة التعويضات المخصصة في هذا الباب من طرف الاتحاد الأوربي.
ما يبدو من الجدل الذي يسبق اتفاقية الصيد البحري أن الجانب الإسباني هو دينامو الدعاية الإعلامية الذي يتقن فن(كوي و بخ)، فيما إعلامنا يتناقل العناوين دون الإحاطة بالسياق و لا الدوافع.
اليوم و بعد 17 يوليوز، نقرأ في مقالات الصحف الإسبانية توجيه المدافع نحو الاتحاد الأوربي خصوصا و أن إسبانيا هي من تقود المرحلة الجديدة ،و بالتالي سيكون ابتزاز التعويضات عن التوقف و حالة العطالة هو ورقة الضغط.
فإذا كانت الحكومة الإسبانية قد خصصت ما قيمته 302 الف يورو كمساعدات للصيادين و ملاك السفن، فإن احتمالات قوية بظهور أطراف أخرى على طول سلسلة القيمة ستطالب بمساعدات مالية، خصوصا في المناطق التي تعتمد على الصيد البحري جنوب اسبانيا و بأرخبيل جزر كناري.
رئيس حكومة كناريا “فرناندو كلافيجو” الذي يعي حجم الضرر من تداعيات توقف نشاط الصيد على الصيادين و على باقي الأنشطة المرتبطة به، كان جد حذرا في تصريحه للصحافة و هو يطالب الوزير “لويس بلاناس” بعقد اجتماع فوري لمعرفة كيف سيتم التعامل مع الوضع الجديد الناجم عن “المنعطف” في العلاقات مع المغرب والذي سيمنع الصيد في مياه “دولة الجوار” .
علما أنه و في ذات السياق احتضنت كناريا مؤتمرا لجبهة البوليساريو ترويجي لأطروحتها و نصرها المزعوم بل و مطالبتها الاتحاد الأوربي بمستحقاتها من اتفاقية الصيد .
الصيد في مياه “دولة الجوار” كما صرح بذلك رئيس حكومة كناريا “فرناندو كلافيجو” ، تعني بشكل جلي اعترافا صريحا من هذا الأخير و حكومته بسيادة المغرب على مياهه بالصحراء المغربي، و رسالة واضحة لنشطاء البوليساريو بجرز كناريا و إسبانيا في مؤتمرهم على أن الموقف الرسمي للحكومة الكناريه هو موقف مؤيد لمغربية الصحراء و أن مصالح جزر الكناري الاقتصادية و الاجتماعية تبقى فوق كل اعتبار سياسي.
و هنا لا بد من العودة قليلا الى سنة 2018 و بالضبط في الداخلة جوهرة الصحراء المغربية ، حيث أعلنت كبريات الهيئات المهنية في الصيد البحري و الصناعات السمكية الكنارية خلال اجتماع اللجنة المغربية-الإسبانية (الأوربية لاحقا) المشتركة في الصيد البحري عن تأييدها لاتفاقية الصيد مع المغرب، مع إبراز مزايا الاتفاقية و مكتسباتها على ساكنة جزر كناريا.
تبقى ورقة استفادة ساكنة الصحراء الغربية من عائدات اتفاقية الصيد مردود عليها حيث أن جميع التقارير الصادرة عن المفوضية الاوربية للصيد البحري يؤكد على ذلك، كما تؤكدها مظاهر التنمية بالمنطقة التي لا تحتاج الى تسويق اعلامي، هذا فضلا على أن المنطقة لها رجالاتها و نساؤها الذين يدبرون شؤونهم من خلال المؤسسات و المجالس المنتخبة، الى جانب ذلك فإن أغلب الاستثمارات في الصيد البحري و الصناعات السمكية تعود في ملكيتها لفاعلين اقتصاديين من ابناء المنطقة.
يبقى أن نشير الى أن من يقف وراء البوليساريو في تحريك “خيوط اتفاقية الصيد” هي أطراف لها مصالح في ابتزاز تنازلات حول اتفاقية الصيد و التجارة، تجعل من بعض الدول التي تعيش عسرة النزعة الانفصالية كإسبانيا و ايرلندا و الدول الاسكندنافية منصة لأنشطتها، لذلك أساطيل هذه الدول على قائمة المستفيدين من اتفاقية الصيد بمياه الصحراء الغربية، كما أن البوليساريو لا تحرك ساكنا في هذا الباب بل توجه الرأي العام فقط للشركات الدولية التي تنشط في البر.
أكثر من ذلك فإن ملف إدارة الأجواء فوق منطقة الصحراء الغربية الذي ورثته اسبانيا منذ فترة الاستعمار ، لا يتم الاقتراب منه ، و كذلك الرمال التي تنقل بشكل دوري الى كناريا لتنشر و تفرش للسياح على شواطئ جزر كناريا و تدعم أهم اقتصاد تقوم علية كناريا و اسبانيا و هو السياحة ، و قبل ذلك مناورة كل من اسبانيا و انجلترا (من تحتها) لتمديد حدودها البحرية على حساب الحدود البحرية المغربية، قبل أن يصطدم الجميع بمبادرة المغرب الاستباقية الرائعة بترسيم حدوده البحرية ، على غرار “المسيرة الخضراء” لاسترجاع الصحراء برا.
بعد هذا المشهد سيتضح أن المغرب و منذ الاستقلالين و هو في حرب لبسط سيادته على مجالاته التاريخية البرية و البحرية و الجوية فيما البوليساريو و حتى الجزائر و بعض الأنظمة المتقلبة ليست الا أدوات لاستنزاف المغرب في معارك جانبية و تعطيل التنمية و إضعافه، ليبقى تابعا غير ذي سيادة تامة لا سياسيا و لا اقتصاديا و لا غذائيا.
اليوم و بعد أربع سنوات من طي اتفاقية الصيد البحري مع الاتحاد الاوربي، سيتضح أن المغرب أدار الازمة بكل حنكة و نقل الصراع الى بروكسيل ليكون داخليا، و حصن حدوده البرية و بسط سيادته على مياهه الإقليمية، ووجه دفة نحو أفريقيا حيث المستقبل ، ليكون رائدا عوض أن يبقى تابعا يستجدي المواقف على حساب كرامته.
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم
مستشار في الإعلام البحري و التواصل.





















































































