احتضن مقر المكتب الوطني للصيد بميناء الداخلة لقاءً خصص لبحث أزمة الخصاص المتواصل، بحضور المدير الجهوي للمكتب وممثلي مجهزي وربابنة مراكب الصيد بالخيط، إلى جانب المسؤول المكلف بتدبير منظومة الصناديق الموحدة.
اللقاء الذي كان يفترض أن يناقش تدبير واحدة من أهم حلقات سلسلة تسويق المنتجات البحرية، تحول إلى مناسبة لطرح أسئلة مهنية تتجاوز مجرد نقص في المعدات، بعدما أكد المهنيون أن الخصاص بات يلامس صميم نشاط المراكب، من برمجة الرحلات إلى عمليات التفريغ وتسويق المنتوج، مروراً بارتفاع تكاليف الاستغلال.
المهنيون طالبوا خلال اللقاء بـرفع حصة ميناء الداخلة وتسريع وتيرة تزويده بالدفعات الجديدة من الصناديق المنتجة وطنياً، معتبرين أن استمرار الخصاص لم يعد مجرد إشكال لوجستي عابر، بل أصبح عاملاً مؤثراً في السير العادي للنشاط البحري.
وحسب إفادات مهنية، فإن بعض المراكب تجد نفسها أمام صعوبة في تأمين العدد المطلوب من الصناديق، الأمر الذي يفرض البحث عن بدائل قد تكون أكثر كلفة، في وقت ترتفع فيه أصلاً أعباء الاستغلال.
ويحذر المهنيون من أن استمرار الوضع على حاله قد ينعكس على برمجة الرحلات وتدبير عمليات التفريغ وتسويق المنتجات البحرية، خصوصاً عندما لا يتوفر المخزون بالكمية الكافية وفي التوقيت المناسب.
المطالب المهنية لم تتوقف عند الدعوة إلى ضخ كميات إضافية من الصناديق، إذ شدد عدد من المتدخلين على أن معالجة الأزمة عبر دفعات ظرفية لن تكون كافية، ما لم تواكبها آلية واضحة تضمن انتظام التموين واستمراريته.
فالمشكل، وفق هذا الطرح، لا يرتبط فقط بعدد الصناديق المتوفرة في لحظة معينة، وإنما بكيفية تدبير دورة كاملة تبدأ بالتوزيع والاستعمال، مروراً بالتداول والاسترجاع والغسل والتنظيف، وصولاً إلى إعادة إدخال الصناديق في الدورة الاستعمالية.
كما طُرحت إمكانية لجوء المراكب إلى اقتناء الصناديق على نفقتها الخاصة، غير أن هذا المقترح أثار بدوره تساؤلات مهنية بشأن الأسعار، وضمان توفر المعدات بشكل مستمر، وعدم تحميل المهنيين أعباء إضافية قد تنعكس على كلفة الإنتاج.
وتفيد معطيات مهنية متداولة بأن إشكال الخصاص لا يقتصر على ميناء الداخلة، بل بدأت تداعياته تظهر في عدد من الموانئ، حيث تحدث مهنيون عن اضطرار بعض المراكب إلى تأجيل رحلاتها بسبب عدم توفر العدد الكافي من الصناديق، فيما لجأ آخرون إلى اقتنائها من السوق لتفادي توقف النشاط.
ويرى المهنيون أن مثل هذه الوضعية ترفع كلفة الاستغلال، وتطرح في الوقت نفسه سؤالاً حول مدى قدرة منظومة تدبير الصناديق الحالية على مواكبة حاجيات أسطول الصيد وتطور حجم النشاط.
وفي ظل تكرار الأزمة، ارتفعت أصوات مهنية تطالب بإعادة النظر في طريقة تدبير ورش الصناديق البلاستيكية الموحدة، فيما ذهب بعض المهنيين إلى التلويح بإمكانية اللجوء إلى المجلس الأعلى للحسابات للمطالبة بفتح تحقيق حول كيفية تدبير هذا الورش.
ويستند أصحاب هذا الطرح إلى كون الصناديق اقتنيت بأموال عمومية، بينما تترتب عن عمليات غسل وتنظيف الصناديق مداخيل لفائدة المكتب الوطني للصيد، متسائلين عن مدى انعكاس هذه الموارد على تجديد الحظيرة وتعزيز المخزون بما ينسجم مع الحاجيات الفعلية للموانئ.
كما يطرح المهنيون إشكالية أخرى تتعلق بمسار الصناديق بعد خروجها من أسواق السمك، ومدى فعالية منظومة تتبعها واسترجاعها، معتبرين أن فقدان الصناديق أو تأخر عودتها إلى الدورة الاستعمالية يمكن أن يفاقم الخصاص ويؤثر على توازن المنظومة.
في المقابل، تذهب جهات مسؤولة إلى أن منظومة تدبير الصناديق البلاستيكية الموحدة قطعت أشواطاً في التنظيم، وأن طبيعتها الاقتصادية تجعلها قابلة للتطور نحو تدبير منفتح على القطاع الخاص أو نماذج تشاركية.
ويرى هذا الاتجاه أن تحميل المكتب الوطني للصيد وحده مسؤولية الاختلالات لا يعكس بالضرورة جميع حلقات الإشكال، بالنظر إلى أن الصناديق تمر عبر سلسلة مترابطة تشمل التوزيع والاستعمال والتداول والاسترجاع والتنظيف وإعادة التوزيع.
وبالتالي، فإن معالجة الخصاص، وفق هذا التصور، تظل مرتبطة بتعاون مختلف المتدخلين داخل سلسلة تسويق المنتجات البحرية، وليس بجهة واحدة فقط.
في الوقت الراهن، تواصل مصالح المكتب الوطني للصيد بمختلف الموانئ تدبير المخزون المتاح وإعادة توزيع الصناديق وفق الإمكانيات الموجودة، بهدف الحد من تأثير الخصاص على نشاط المراكب، في انتظار بلورة حل هيكلي ومستدام.
لكن المهنيين يرفعون سقف مطالبهم بشكل واضح: صناديق متوفرة باستمرار، تموين منتظم، تدبير شفاف، تتبع فعال، واستعمال يضمن عدم ارتفاع الكلفة على المهنيين.
وبين مطالب إصلاح منظومة التدبير، ودعوات إلى فتح المجال أمام نماذج جديدة في التسيير، تتجاوز أزمة الصناديق البلاستيكية الموحدة بميناء الداخلة حدود مشكلة لوجستية مرتبطة بمعدات التعبئة، لتطرح أسئلة أوسع حول حكامة سلسلة تسويق منتجات الصيد البحري، وفعالية تدبير الموارد العمومية، وقدرة المنظومة الحالية على مواكبة حاجيات الموانئ والمهنيين.
ويبقى الرهان المطروح أمام مختلف المتدخلين هو الانتقال من تدبير أزمة تتكرر كلما ارتفع الطلب، إلى بناء منظومة قادرة على ضمان توفر الصناديق بشكل منتظم ومستدام، بما يحمي استمرارية النشاط ويحد من كلفة الاستغلال ويحافظ على تنافسية المنتجات البحرية.





















































































