عبد الرحيم النبوي/ المغرب الأزرق
في ميناء الصيد البحري بمدينة آسفي، لم تعد كلفة الإبحار مجرد تفصيل ضمن المصاريف اليومية للمراكب، بل تحولت إلى مصدر قلق متزايد لدى المجهزين والربابنة والبحارة، في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار الغازوال، الذي بات يضغط بقوة على توازناتهم المالية ويهدد استمرارية نشاط عدد من مراكب الصيد بالجر.
صباح السبت 10 أكتوبر 2026، تجمّع عدد من مهنيي القطاع بالميناء في وقفة احتجاجية، للتعبير عن رفضهم لاستمرار ارتفاع أسعار المحروقات، ولإيصال رسالة إلى الجهات المسؤولة مفادها أن كلفة الرحلات البحرية أصبحت تثقل كاهل المهنيين، في وقت لا تضمن فيه مداخيل بيع المصطادات تغطية جميع المصاريف، بما فيها مستحقات البحارة وتكاليف التشغيل والصيانة.
الوقفة لم تكن، بحسب تصريحات المشاركين، مجرد تعبير عن استياء ظرفي، وإنما جاءت نتيجة تراكم صعوبات يقول المهنيون إنها ازدادت حدة منذ سنة 2025، رغم المراسلات والنداءات التي وجهوها إلى الجهات الحكومية والقطاعات المعنية، مطالبين بإيجاد حلول عملية للتخفيف من تداعيات غلاء المحروقات على قطاع الصيد البحري.
في تصريح بالمناسبة، للمغرب الازرق ، أكد عبد القادر التويربي، الكاتب المحلي للنقابة المنضوية تحت لواء الكونفدرالية الديمقراطية للشغل بآسفي، أهمية هذه الوقفة التي شارك فيها ربابنة مراكب الصيد بالجر، معتبراً أنها تأتي في سياق تصاعد الضغط الذي تفرضه أسعار الغازوال على مختلف مكونات القطاع.
وأوضح التويربي أن المهنيين سبق أن وجهوا مجموعة من المراسلات والنداءات إلى وزارة الصيد البحري والحكومة منذ سنة 2025، للتنبيه إلى الارتفاع المتزايد في أسعار المحروقات وما يترتب عنه من أعباء مالية ثقيلة.
وأضاف أن الوضع الحالي يطرح تساؤلات جدية بشأن قدرة المراكب على مواصلة نشاطها، في ظل ارتفاع تكاليف الرحلات البحرية مقابل مداخيل لا تكفي، في حالات عديدة، لتغطية مجموع المصاريف.
وبحسب المعطيات التي قدمها، قد تتراوح كلفة خروج المركب الواحد إلى البحر بين 16 ألفاً و20 ألف درهم، وهو ما يضع المجهزين والربابنة أمام معادلة صعبة: إما مواصلة الإبحار مع احتمال تكبد الخسائر، أو التوقف عن العمل بما يحمله ذلك من تداعيات اقتصادية واجتماعية على البحارة وأسرهم.
وشدد المتحدث على أن مطلب المهنيين يتمثل في تدخل عاجل من الجهات المسؤولة، بما فيها وزارة الداخلية والقطاعات الحكومية المعنية، من أجل البحث عن حلول تخفف الضغط الناتج عن ارتفاع أسعار المحروقات، وتحافظ على استمرارية نشاط الصيد البحري.
وأكد التويربي أن تنظيم الوقفة لا يستهدف التصعيد أو الدخول في مواجهة مع أي جهة، بل يروم إيصال صوت المهنيين وفتح المجال أمام حوار جاد يفضي إلى نتائج ملموسة.
وأشار، في هذا السياق، إلى عقد لقاء سابق مع مسؤولين في القطاع، وصف النقاش الذي دار خلاله بالمثمر، معرباً عن أمله في أن تسفر الاتصالات والمشاورات الجارية عن حلول تسمح للمهنيين بمواصلة عملهم في ظروف أفضل.
من جانبه، عبّر الكرابي الزرهوني، أحد ربابنة مراكب الصيد بالجر، للمغرب الازرق ، عن حجم المعاناة التي يعيشها العاملون بالقطاع، مؤكداً أن ارتفاع أسعار المحروقات جعل الخروج إلى البحر مغامرة مالية لا تضمن، في كثير من الأحيان، حتى استرجاع المصاريف الأساسية للرحلة.
وأوضح أن الكميات المصطادة ومداخيل بيع السمك لا تكفيان دائماً لتغطية تكاليف الإبحار، وهو ما يضع المجهزين والربابنة والبحارة أمام وضعية صعبة، تتزايد حدتها كلما ارتفعت أسعار الغازوال.
واستحضر المتحدث الفارق المسجل في كلفة المحروقات، مشيراً إلى أنها كانت في فترة سابقة في حدود 6 آلاف درهم، قبل أن ترتفع، وفق المعطيات التي قدمها، إلى حوالي 12 ألفاً و600 درهم، في زيادة تنعكس مباشرة على ميزانية المركب وقدرته على تغطية التزاماته.
وأضاف أن البحار يتحمل مشقة العمل في عرض البحر، في ظروف تتطلب جهداً بدنياً ومهنياً كبيراً، لكنه يجد نفسه أحياناً أمام مداخيل لا تتناسب مع حجم التكاليف والمخاطر التي يتحملها.
وطالب الكرابي الزرهوني الجهات المعنية والهيئات المهنية والغرف المختصة بالتفاعل مع هذه الوضعية، والعمل على إيجاد حلول عاجلة تخفف من أعباء المحروقات وتحمي مصدر عيش الأسر المرتبطة بقطاع الصيد البحري.
وكشف أن المهنيين قرروا تنظيم هذه الوقفة لمدة 48 ساعة، مع التوجه إلى إصدار بيان يوضح مطالبهم وموقفهم من الوضع الحالي، مؤكداً استعدادهم لاستئناف العمل متى ظهرت مؤشرات جدية على إمكانية التوصل إلى حل.
بدوره، ركز دادي نور الدين، ربان أحد مراكب الصيد بالجر، للمغرب الازرق، على الانعكاسات المباشرة لارتفاع أسعار الغازوال على مردودية الرحلات البحرية، متسائلاً عن جدوى خروج المركب إلى البحر لأيام عدة إذا كان سيعود بمداخيل لا تكفي لتغطية المصاريف وتسديد مستحقات البحارة.
وأكد أن البحارة يبذلون مجهودات كبيرة خلال الرحلات البحرية، ومن حقهم، بحسب تعبيره، الحصول على مقابل يضمن لهم ولأسرهم الحد الأدنى من العيش الكريم، غير أن الارتفاع المتواصل لتكاليف الإنتاج يستنزف جزءاً مهماً من المداخيل ويزيد صعوبة تدبير الالتزامات المالية.
ولم يقتصر حديثه على أسعار المحروقات، بل امتد إلى دور الهيئات والتمثيليات المهنية، من غرف الصيد البحري والجمعيات والفيدراليات والكونفدراليات، متسائلاً عن طبيعة المبادرات التي يمكن أن تضطلع بها هذه المؤسسات للدفاع عن مصالح المهنيين والترافع بشأن مطالبهم لدى الجهات المختصة.
واعتبر أن المرحلة الحالية تقتضي تحركاً مهنياً أكثر فعالية، من خلال نقل انشغالات البحارة والربابنة والمجهزين إلى المسؤولين، والبحث عن آليات عملية للتخفيف من تكاليف الإنتاج.
وأشار دادي نور الدين إلى أن إشكالية المحروقات تتفاقم بفعل عدم استقرار أسعار السمك بالجملة، التي تظل مرتبطة بالكميات المصطادة وظروف السوق، في حين تبقى تكاليف الإبحار مرتفعة، وهو ما يجعل التوازن المالي للرحلات أمراً صعب التحقيق.
وشدد على ضرورة إيجاد صيغة تضمن قدراً من التوازن بين المصاريف التي يتحملها المهنيون والمداخيل التي يحققونها، بما يحمي العاملين في القطاع من مزيد من التدهور في أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية.
تكشف تصريحات المشاركين في الوقفة عن قاسم مشترك يتمثل في تنامي المخاوف من أن يتحول ارتفاع أسعار الغازوال إلى عامل يحد من قدرة مراكب الصيد بالجر على مواصلة نشاطها بصورة منتظمة، خصوصاً عندما تصبح تكلفة الرحلة أكبر من المداخيل المحققة من بيع المصطادات.
ولا تقف تداعيات هذه الوضعية عند حدود المجهزين والربابنة، بل تمتد إلى البحارة الذين ترتبط مداخيلهم باستمرارية الرحلات ومردوديتها، فضلاً عن الأسر التي تعتمد على نشاط الصيد البحري مورداً أساسياً للعيش، وما يرتبط به من أنشطة اقتصادية وتجارية داخل الميناء وخارجه.
وفي ظل هذه المعطيات، يطالب المهنيون بفتح حوار جاد مع الجهات الحكومية والقطاعات المختصة وموزعي المحروقات، بهدف دراسة سبل تخفيف الأعباء المالية، وتعزيز شفافية الأسعار، والبحث عن آليات عملية تساعد على ضمان استمرارية النشاط.
وبين ارتفاع كلفة الإبحار وتذبذب مداخيل المصطادات، يجد مهنيو الصيد البحري بآسفي أنفسهم أمام تحدٍ يتجاوز مجرد تدبير المصاريف اليومية، ليطرح سؤالاً أوسع حول قدرة القطاع على الحفاظ على توازنه الاقتصادي والاجتماعي.
وتبقى الأنظار موجهة إلى ما ستسفر عنه الاتصالات والمشاورات المرتقبة، في انتظار إجراءات ملموسة تستجيب لمطالب المحتجين، وتعيد الثقة إلى مهنيين يؤكدون أن هدفهم ليس التوقف عن العمل، وإنما مواصلته في ظروف تضمن الحد الأدنى من الاستقرار والكرامة المهنية.























































































