عبد الرحيم النبوي/المغرب الازرق
في سياق يتسم بتزايد الإكراهات القانونية والتنظيمية والاقتصادية التي تواجه مهنيي الصيد البحري، فتحت غرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية، خلال جمعها العام العادي المنعقد يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026 بأحد فنادق مدينة آسفي، مجموعة من الملفات المهنية التي تثير انشغالات واسعة في أوساط العاملين بالقطاع، وفي مقدمتها اقتناء سفن الصيد وبناؤها وترميمها، وتحديد مناطق الصيد، والإشكالات القانونية المرتبطة بصيد الأربيان، فضلاً عن مخطط استغلال الطحالب البحرية وارتفاع أسعار المحروقات وإكراهات التكوين البحري.
وترأس أشغال هذا اللقاء كمال صبري، رئيس الغرفة، بحضور الكاتب العام لعمالة الدار البيضاء، وممثلي السلطات المحلية والمصالح التابعة للوزارة الوصية، إلى جانب أعضاء الغرفة وفاعلين مهنيين وجمعويين، في اجتماع شكل مناسبة لتشخيص عدد من الصعوبات التي تعترض ممارسة الأنشطة البحرية، واستعراض المطالب الرامية إلى تحسين ظروف اشتغال المهنيين وتعزيز استدامة القطاع.
واستهل كمال صبري أشغال الجمع العام بكلمة ترحيبية، هنأ فيها أحمد المهدي مزواري بمناسبة تعيينه وزيراً منتدباً مكلفاً بالصيد البحري، متمنياً له التوفيق في مهامه الجديدة. كما ترحم على أحد قيدومي القطاع، ونوه بتعبئة السلطات المحلية ومندوبية الصيد البحري بآسفي، إلى جانب مختلف المتدخلين، في عمليات البحث عن البحارة المفقودين في عرض البحر.

وبعد المصادقة على محضر الاجتماع السابق، انتقل أعضاء الغرفة إلى مناقشة مشروع القرار المحدد لكيفيات تطبيق مقتضيات المادة الرابعة من المرسوم رقم 2.20.147، المتعلق بتطبيق القانون رقم 59.14 بشأن اقتناء سفن الصيد ومباشرة بنائها وترميمها.
ويكتسي هذا الملف أهمية خاصة بالنسبة إلى مستقبل الأسطول البحري، بالنظر إلى ارتباطه بتجديد السفن وتأهيلها، وتيسير الاستثمار في القطاع، فضلاً عن ضرورة توفير مساطر إدارية وتقنية واضحة تضمن التوفيق بين متطلبات تطوير النشاط واحترام معايير السلامة البحرية والمقتضيات القانونية الجاري بها العمل.
ومن بين القضايا التي استأثرت باهتمام أعضاء الغرفة، الإشكالات المرتبطة بتطبيق القانون رقم 83.13 المتعلق بالزجر عن الغش في البضائع على مهنيي صيد الأربيان، في ضوء محاضر المعاينة المنجزة من طرف المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية.

ويطرح هذا الملف تساؤلات بشأن كيفية تنزيل المقتضيات القانونية على أنشطة الصيد البحري، وطبيعة المخالفات والإجراءات المترتبة عنها، بما يستدعي توضيح المسؤوليات والالتزامات القانونية للمهنيين، وتوحيد فهم النصوص المنظمة لهذا النشاط.
كما يبرز الموضوع أهمية تعزيز التنسيق بين المصالح المختصة والتمثيليات المهنية، بما يضمن احترام شروط الجودة والسلامة الصحية للمنتجات البحرية وحماية المستهلك، دون الإخلال بالحقوق والمصالح المشروعة للمهنيين أو تركهم أمام تأويلات متباينة للمقتضيات القانونية.
وشكلت الآثار المترتبة عن القرار الوزاري رقم 01/26 المتعلق بتحديد مناطق الصيد محوراً آخر للنقاش، بالنظر إلى انعكاساته على برامج اشتغال مراكب الصيد بالجر، ومجالات نشاطها، والظروف الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة باستمرارية عملها.
ويعيد هذا الملف إلى الواجهة التحدي المرتبط بتحقيق التوازن بين حماية الثروة السمكية وضمان استدامتها، وبين الحفاظ على الجدوى الاقتصادية لنشاط الأسطول البحري ومصادر عيش البحارة والعاملين في مختلف حلقات سلسلة الإنتاج.

وفي هذا السياق، تبرز أهمية إشراك التمثيليات المهنية في مناقشة القرارات التنظيمية التي تؤثر بصورة مباشرة على نشاط المراكب، مع مراعاة الخصوصيات المحلية والاستناد إلى المعطيات العلمية والتقنية التي تفسر خلفيات هذه التدابير وأهدافها.
ولم يغب ملف الطحالب البحرية عن أشغال الجمع العام، حيث ناقش المشاركون ضرورة تقييم المخطط المعتمد في هذا المجال، والوقوف على حصيلته ومدى تحقيقه للأهداف المسطرة، سواء على مستوى حماية الموارد البحرية أو تنظيم استغلالها وتحسين مردودية النشاط.
وتكتسي هذه المراجعة أهمية بالنظر إلى ارتباط استغلال الطحالب بتدبير الموارد الطبيعية واستدامتها، فضلاً عن انعكاساته على ظروف اشتغال المهنيين والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها.
كما تبرز الحاجة إلى اعتماد مقاربة تشاركية تجمع الإدارة والمهنيين، وتستند إلى معطيات ميدانية دقيقة، بما يسمح برصد مكامن الخلل واقتراح تدابير عملية تستجيب للإكراهات المسجلة، مع الحفاظ على التوازن البيئي وضمان استمرارية الاستغلال المسؤول للثروات البحرية.
وفي ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف الاستغلال، حضر ملف المحروقات ضمن القضايا التي تثير قلق المهنيين، بالنظر إلى الوزن الكبير الذي تمثله نفقات الوقود في ميزانية الرحلات البحرية، وما يترتب عنها من انعكاسات مباشرة على مردودية مراكب الصيد وقدرتها على مواصلة نشاطها.
ويزيد ارتفاع هذه التكاليف من حدة الضغوط الاقتصادية التي تواجه مختلف فئات العاملين بالقطاع، الأمر الذي يعزز المطالب بإيجاد حلول عملية ومستعجلة وواقعية، من شأنها تخفيف الأعباء المالية عن المهنيين وضمان شروط أكثر ملاءمة لاستمرارية النشاط البحري.
ويفرض هذا الوضع، بحسب طبيعة الإكراهات المطروحة، تعزيز الحوار بين الجهات المعنية والتمثيليات المهنية، من أجل البحث عن آليات ناجعة للتخفيف من تداعيات أسعار المحروقات على تكاليف الإنتاج، بما يحافظ على التوازن الاقتصادي والاجتماعي للقطاع.
ومن الملفات التي حضرت بدورها في النقاش، إشكالية التكوين البحري وتأهيل العنصر البشري، في ظل الصعوبات التي يواجهها عدد من الشباب الراغبين في الولوج إلى المهن البحرية والحصول على الوثائق والشهادات اللازمة لممارسة أنشطتهم.
وتبرز في هذا السياق مطالب بمراجعة بعض الشروط المرتبطة بالمسار التكويني، ولا سيما ما يتعلق بالشواهد التعليمية المطلوبة، بما يسمح بإيجاد حلول أكثر مرونة تراعي خصوصية المهن البحرية وطبيعة الفئات التي تشتغل فيها، دون المساس بمتطلبات الكفاءة المهنية والسلامة البحرية.
ويرى المدافعون عن هذا التوجه أن تأهيل العنصر البشري يشكل ركيزة أساسية لتطوير القطاع وضمان استمراريته، وأن تسهيل ولوج الشباب إلى التكوين المناسب ينبغي أن يواكبه اعتماد مسارات عملية وملائمة، تفتح أمامهم فرص الاندماج المهني وتحد من العراقيل التي قد تعترض مسيرتهم.
ومن ثم، يبرز الرهان على إيجاد مقاربة متوازنة تجمع بين احترام الضوابط التنظيمية، وتيسير الولوج إلى التكوين البحري، وتسريع معالجة الملفات الإدارية المرتبطة بالحصول على الوثائق المهنية، بما يستجيب لحاجيات القطاع ويسهم في تجديد موارده البشرية.
وتكشف الملفات المطروحة خلال هذا الجمع العام عن تعدد وتداخل التحديات التي تواجه قطاع الصيد البحري، إذ لم تعد الإشكالات تقتصر على تدبير الموارد وتنظيم مناطق الصيد، بل امتدت لتشمل ارتفاع تكاليف الاستغلال، والإطار القانوني المنظم للأنشطة المهنية، والتكوين البحري، وشروط الولوج إلى المهنة.

واختتم الجمع العام أشغاله بفقرة خصصت للمجتمع المدني، أتيحت خلالها الفرصة لطرح قضايا أخرى مرتبطة بانشغالات القطاع، في أفق مواصلة الترافع عن المطالب المهنية وتعزيز التنسيق بين الغرفة والإدارة الوصية وباقي المتدخلين، كما تم بالمناسبة تكريم عبد الله مستثير، مدير الصيد البحري ,
ويؤكد تعدد هذه الملفات أهمية الدور الذي تضطلع به غرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية في نقل انشغالات المهنيين إلى الجهات المختصة والمساهمة في مناقشة القرارات المؤطرة للنشاط البحري. غير أن الرهان الأساسي يظل مرتبطاً بمدى القدرة على الانتقال من تشخيص الإشكالات إلى بلورة حلول ملموسة، تستند إلى الحوار المؤسساتي والتشاور المنتظم، وتراعي في الآن ذاته استدامة الموارد البحرية والعدالة المهنية والجدوى الاقتصادية والاجتماعية للقطاع.























































































