المغرب الازرق
كشف السيد نجيب الشرفاوي مهندس قناطر و طرق و خبير في المجالين المينائي و البحري الستار عن أزمة التجهيز البحري المغربي. فالواقع يقول ان عدة بواخر موقوفة و المغرب يزيد من اعتماده على سفن النقل الأجنبية. كما يعرف تدبير الموانئ تأخرا كبيرا و يستلزم تدخلا فعالا و مستعجلا. يقترح نجيب الشرفاوي، إحكام سيطرة عقلاني و يلح على “عقد ـ برنامج” في القطاع البحري.
مقابلة صحفية. اجرته ماروك ايكو الصادرة باللغة الفرنسية، و ترجمته اسماء اعسو،ننقله اليكم المغرب الازرق :
ماروك إيكو : تحدث الوزير عن وجود إستراتيجية مينائية. هل هي موجودة فعلا؟
نجيب الشرفاوي : السؤال لم يطرح جيدا : أي مشكلة يجب أن تحل هذه الإستراتيجية؟ يجب تعريف المشكلة كما يلي : منذ سنة 1960، بسبب الغياب الكلي لثقافة مينائية، ارتكب المسؤولون عن مصير الموانئ المغربية سلسلة من الأخطاء المتكررة، ليست بالعلمية و التقنية فحسب، بل أخطاءا في التدبير أيضا. أهدروا، في خسارة محضة، أموالا طائلة مع اضمحلال خبرة و معرفة تراكمت على طوال آلاف السنين.
للذين يفضلون لغة الميزانيات، فلنقل بأنه، من ناحية الإستثمارات، ضخت الدولة في القطاع المينائي، من سنة 1999 إلى 2000، ما يقارب 13 مليار درهم، أي ما يعادل 700 مليون درهم سنويا، مع ذروة في سنة 1999 بمقدار 977 مليون درهم و حد أدنى سنة 1993 بقيمة 535 مليون درهم.
ما بين سنة 2001 و 2011، يمكن أن تتخيلوا الخسائر المالية الطائلة الناجمة من الأخطاء المرتكبة في مركب طنجة المتوسطي.
و لكن هنالك ما هو أكثر إثارة للقلق: فمن كثرة ارتكاب الأخطاء، تعودوا عليها إلى درجة الغباء و الإدمان، أي لدرجة جعلها مقياسا للحالة الطبيعية و حتى للامتياز.
ماروك إيكو : ما هي أسس هذه الإستراتيجية و أهداف تنميتها؟
نجيب الشرفاوي : لتحديد الإطار التنموي، قاموا بتوقعات مبنية على الإحصاءات (الأسس)، و ذلك لتلبية طلب أصحاب البضائع (الأهداف )
ماروك إيكو : نتحدث عن مخطط مديري مينائي وطني يمكن أن لا يرى النور أبدا لأسباب تتعلق بالخيارات الطاقية. ما هي الرهانات الحقيقية لهذا المخطط؟
نجيب الشرفاوي : هذا السؤال لم يطرح جيدا : بدل “الذي يمكن أن لا يرى النور أبدا”، يجب قول “الذي يمكن أن لا يطبق أبدا” لأن المخطط المديري المينائي الوطني موجود فعلا. و الرهان الحقيقي يكمن في تحديد الأخطاء و تغيير السلوك و تدارك التأخر الذي يعرفه القطاع. هناك أولا، بين سنة 1962 و 1972، التفكيك الوحشي لنظام حق الإمتياز مع أنه كان ساريا منذ أواسط القرن الثامن عشر. بعدئذ، و بسبب عدم الكفاءة، انهارت منشآت ذات قيمة لا تقدر بثمن أو اختفت كليا، كالمنارة الإشعاعية للدار البيضاء (1984) و السكة الهوائية لسيدي إيفني (1973) و المنصة الشمالية لرصيف ميناء العيون (1976). أول رباعيات أرجل صنعت في العالم، قطع فريدة من نوعها و ذات قيمة علمية كبيرة، تم إهمالها منذ سنة 1989.
إن الأمية المينائية تؤدي إلى العديد من الأخطاء المتوقعة و لا سيما من سنة 1980 إلى 2011. الأكثر إدهاشا ارتكبت في ميناء أصيلة، الأكثر إذهالا في ميناء الرمال الذهبية (الرباط)، الأكثر مأساوية في ميناء مارتيل (تطوان) و الأكثر تقنية في ميناء العرائش و الأكثر غباءا في ميناء شماعلة (2007). في سنة 2011، بات مخبأ الصيد بالفنيدق غير قابل للإستعمال عند نهاية الأشغال بسبب تراكم الحصى في الحوض؛ أما ميناء سيدي حساين فقد أصبح كحوض استحمام (2004).
عرفت العديد من الموانئ صعوبات جدية في الإستغلال بسبب الترمل، كميناء العيون (1987) و طانطان (1986) و سيدي إيفني (1996) و بوجدور (1982 ثم 2011) و ميناء أصيلة الذي لم يتم تدشينه أبدا (1988) و طرفاية (1984) و ميناء الداخلة الجديد (2001) و تمديد ميناء الداخلة (2011) و كذا ميناء السعيدية (2002 ثم 2010) و اللائحة ما زالت طويلة.
باتت الخسائر مذهلة و ضخمة و إذا حاولنا، مع ذلك، تقييم الضرر الإجتماعي و التكلفة البشرية، نجد بالدولار رقما يصيب بالدوار بأكثر من تسع أصفار إلى اليمين. في أعقاب هذه الدوامة من الأخطاء، لم يستثن من القاعدة إنشاء ميناء واد الرمل (2008)، الذي هو جزء من مشروع طنجة المتوسطي، و تميز بسلسلة من الإرتجالات و الترددات و الأخطاء المثيرة للقلق.
ماروك إيكو : تم الإصلاح المينائي بطريقة مرتجلة و مراسيم التطبيق لم تر النور سنوات بعد بدء تنفيذ الإصلاح. هل ما زال هذا الوضع على ما هو عليه؟
نجيب الشرفاوي : ما زال يتعين القيام بالكثير : يجب إصدار العديد من القرارات الرسمية و يتوجب أولا و عاجلا إنتاج النصوص المتعلقة بنظام استغلال كل ميناء مغربي من السعيدية إلى الداخلة ـ الڭويرة و بالطبع ميناء طنجة المتوسطي، ثم نصوص شرطة الموانئ و أخيرا، تحديد مخططات تهيئة الموانئ. إن الإتفاقية حول النظام الدولي للموانئ البحرية للتجارة التي تمت بجنيڤ في اليوم التاسع من ديسيمبر 1923 و التي صادق عليها المغرب بموجب ظهير الثاني من يناير 1974، تنص في مادتها الرابعة بأنه يجب إصدار و تحديث أنظمة الاستغلال. و يتضمن نظام الإستغلال وصفا للميناء و تجهيزاته و حدود المنطقة المينائية و الخدمات للسفن (القيادة، القطر، الإرساء، …) و الخدمات المتعلقة بالبضائع و شروط الملاحة و دخول الميناء و كذا إجراءات الشرطة و الأمن.
ماروك إيكو : يتسم قطاع النقل البحري بغياب مدونة عصرية. هل لا بد منها حاليا و في أي نطاق؟
نجيب الشرفاوي : السؤال لم يطرح جيدا. أسطولنا اليوم مهدد بالإنقراض و 99٪ من سفن التجارة التي تبلغ المغرب في الوقت الحالي أجنبية. بصيغة أخرى، النقل البحري المغربي تحت الولاية الدولية.
ماروك إيكو : بماذا توحي لكم أزمة التجهيز البحري المغربي؟ ما هي أولويات إصلاح السياسة البحرية المغربية؟
نجيب الشرفاوي : توحي أزمة التجهيز المغربي بتفاقم فاتورة المغرب للنقل البحري. إذا لم تتخذ أية إجراءات لإصلاح الوضع، سيصبح عدم التوازن أكثر حدة مع فقدان مصدر مستدام لفرص شغل متنوعة و مجزية و مستقرة.
إن جوهر المشكل وطني. و يتعلق الأمر بوضع حد لنزيف نفقات النقل البحري التي يدفعها المغرب بالعملات الصعبة و التي تقدر ب 2,5 مليار دولار سنويا أي ما يعادل فاتورة النفط السنوية. يجب تذكر هذا الرقم فقط و التمسك بداعي المصلحة العليا.
في الوقت الحاضر، يجب وضع “عقد ـ برنامج” لمساعدة المغرب على ضمان استقلاليته في قطاع النقل البحري لنصف الحمولة، على الأقل، المستوردة و المصدرة بحريا.
سيضمن هذا العقد ـ برنامج تغطية النقل البحري ل 20٪ من حمولة البضائع المستوردة و المصدرة، سنة 2014، و ذلك بواسطة التجهيز البحري الوطني، ثم لنسبة 30٪ في سنة 2016 لتحقيق نسبة 50٪ سنة 2020.
إذا بدأنا بالعمل منذ الآن، يمكن تحقيق هذا الهدف في الآفاق المتوقعة.
عمليا : يجب وضع حد للمنافسة غير المشروعة التي يعاني منها التجهيز البحري الوطني و ذلك بإعادة صياغة الأنظمة. فالعقد ـ برنامج سيمكن فقط من استعادة ثقة الأبناك بوضع توقيع الدولة و إلزام التجهيز البحري الوطني بتحقيق أهداف قابلة للقياس وفق جدول أعمال محدد سابقا.






















































































