عبد الرحيم النبوي/ المغرب الازرق
في ظل الارتفاع المتواصل لأسعار المحروقات، يجد مهنيو الصيد الساحلي أنفسهم أمام ضغوط اقتصادية متزايدة تهدد استمرارية نشاطهم، في وقت تتصاعد فيه تكاليف الإبحار والإنتاج وتتقلص هوامش المردودية، ما يثير مخاوف بشأن انعكاسات هذه الوضعية على البحارة والربابنة ومجهزي المراكب، فضلاً عن آلاف الأسر التي ترتبط معيشتها بالقطاع.
وأمام هذه التطورات، بدأت تبرز دعوات إلى التوقف عن العمل وخوض إضرابات احتجاجية، في مؤشر على تنامي حالة القلق داخل الأوساط المهنية، التي باتت تبحث عن حلول عملية تخفف من وطأة ارتفاع أسعار البنزين والغازوال، وتحول دون الوصول إلى مرحلة قد يصعب معها ضمان الاستمرارية الاقتصادية للمقاولات العاملة في الصيد البحري.
وفي هذا السياق، أكد الهاشمي الميموني، رئيس جمعية أرباب مراكب الصيد بالجر بمدينة آسفي، أن استمرار ارتفاع أسعار المحروقات يضع مهنيي الصيد الساحلي أمام تحديات اقتصادية صعبة، بالنظر إلى الارتباط المباشر بين تكاليف الوقود ونفقات الرحلات البحرية، وما يترتب عن ذلك من ضغط على مردودية المراكب وقدرتها على مواصلة النشاط.
وأوضح الميموني أن تداعيات هذه الوضعية لا تقتصر على مجهزي المراكب وحدهم، بل تمتد إلى البحارة والربابنة ومختلف الفئات المرتبطة بمنظومة الصيد البحري، الأمر الذي يجعل معالجة هذا الملف ضرورة اقتصادية واجتماعية تستوجب تدخلاً منسقاً، يوازن بين استمرارية النشاط وحماية مناصب الشغل ومصادر عيش الأسر.
ومن بين الإشكالات التي يطرحها هذا الملف، بحسب المتحدث، تحديد الجهة الحكومية المخول لها فتح حوار فعلي مع مهنيي القطاع، في ظل المرحلة الانتقالية المرتبطة بتشكيل الحكومة الجديدة وتوزيع الاختصاصات والمسؤوليات، ولا سيما ما يتعلق بقطاعي الصيد البحري والطاقة والمعادن.
وأشار الميموني إلى أن تدبير أسعار المحروقات يتجاوز الاختصاص المباشر لقطاع الصيد البحري، بالنظر إلى ارتباطه بعوامل وطنية ودولية، غير أن ذلك لا يعفي القطاعات الحكومية المعنية من مسؤولية التنسيق والبحث عن صيغ عملية للتخفيف من آثار ارتفاع الأسعار على المهنيين.
وشدد على أن المطلوب في المرحلة الراهنة هو تجاوز إشكالية تداخل الاختصاصات، والانتقال إلى مقاربة مؤسساتية واضحة تتيح الاستماع إلى انشغالات المهنيين ومناقشة مطالبهم مع الجهات المعنية، بما يضمن عدم ترك القطاع يواجه بمفرده التداعيات الاقتصادية المتزايدة لارتفاع تكاليف الإنتاج.
وفي معرض حديثه عن الدعوات إلى التوقف عن العمل والإضراب، دعا رئيس جمعية أرباب مراكب الصيد بالجر بآسفي إلى التحلي بالمسؤولية وتغليب منطق الحوار، محذراً من أن اتخاذ قرارات متسرعة قد يؤدي إلى توقف النشاط وتفاقم الصعوبات التي يعيشها القطاع.
واعتبر أن الحوار يظل مدخلاً أساسياً لمعالجة الأزمة، شريطة أن يكون جاداً ومنظماً، وأن يتم مع الهيئات المهنية التي تتوفر على تمثيلية وطنية، بما يسمح بمناقشة الإشكال في شموليته، بعيداً عن المعالجات المحدودة التي لا تستوعب مختلف أبعاده الاقتصادية والاجتماعية.
وفي هذا الإطار، أوضح الميموني أن ارتفاع أسعار المحروقات لا يشكل مشكلة محلية تخص ميناء آسفي أو الجديدة أو الداخلة وحدها، بل يتعلق بإشكال وطني يهم مختلف الموانئ المغربية، وهو ما يستدعي توحيد المطالب وتنسيق المواقف بين الفاعلين المهنيين، بدل الاقتصار على حوارات متفرقة مع الجمعيات المحلية بكل ميناء على حدة.
وأضاف أن إشراك الهيئات المهنية ذات التمثيلية الوطنية من شأنه أن يمنح المفاوضات وضوحاً أكبر وقوة ترافعية أوسع، ويساعد على بلورة مقترحات قابلة للنقاش مع القطاعات الحكومية المعنية.
وفي هذا الصدد، أبرز المتحدث أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به الكونفدراليات المهنية في نقل انشغالات البحارة ومجهزي المراكب والربابنة إلى الجهات المختصة، مستحضراً الكونفدرالية الوطنية للصيد البحري، التي يرأسها كمال صبري، والكونفدرالية المغربية للصيد البحري، التي يرأسها أفوطاط، باعتبارهما من الهيئات التي يمكن أن تسهم في تنسيق المواقف والترافع بشأن المطالب المرتبطة بتكاليف الإنتاج واستمرارية النشاط.
وأكد الميموني أن الجمعيات المحلية تظل مكوناً أساسياً في رصد المشاكل اليومية للمهنيين والتعبير عن انتظاراتهم، بالنظر إلى قربها من واقع العمل داخل الموانئ، غير أن الملفات ذات الطابع الوطني تحتاج إلى إطار تنسيقي أوسع، قادر على تجميع المطالب وصياغتها في ملف موحد يعكس حجم الصعوبات التي يواجهها القطاع.
ويرى المتحدث أن تجاوز الوضع الحالي يمر عبر بناء موقف مهني مشترك، يحدد الأولويات بشكل دقيق، ويضع الجهات الحكومية أمام صورة واضحة عن الانعكاسات المباشرة لارتفاع أسعار المحروقات على تكاليف الرحلات البحرية ومردودية المراكب واستقرار الشغل.
وخلص رئيس جمعية أرباب مراكب الصيد بالجر بآسفي إلى أن المرحلة الراهنة تستدعي توحيد صفوف المهنيين، وإعداد ملف مطلبي واضح ومتكامل، يتضمن الانشغالات الأساسية لمختلف مكونات القطاع، مع فتح قنوات حوار جدي مع الجهات المختصة، بحثاً عن حلول واقعية تستجيب لحجم التحديات المطروحة.
وأكد أن الرهان لا يتعلق فقط باحتواء موجة الغضب داخل الأوساط المهنية، بل يتجاوز ذلك إلى حماية استمرارية نشاط اقتصادي يوفر فرص الشغل ومصادر العيش لآلاف الأسر، ويساهم في تموين الأسواق بالمنتجات البحرية.
وبين ضغط تكاليف المحروقات ومخاوف التوقف عن العمل، يبرز ملف الصيد الساحلي باعتباره اختباراً لقدرة مختلف المتدخلين على تنسيق جهودهم وإيجاد مخرج يحفظ التوازن بين متطلبات الاستمرارية الاقتصادية وانتظارات المهنيين. فهل تنجح الهيئات المهنية في توحيد مطالبها وفتح حوار وطني يفضي إلى إجراءات ملموسة، قبل أن تتحول الضغوط المتراكمة إلى اضطرابات أوسع داخل القطاع؟
























































































