المغرب الأزرق
نيويورك: ساشا ايسنبرغ
حينما جربت أكلة السوشي بطوكيو في خريف عام 1977، فكرت بنفسي وكأنني مغامر جريء في مجال تناول الأكلات الغريبة، والذي إذا تمكن من تجاوز مخاطرها بسلام فإنه سيعود إلى أميركا ليحكي قصة غير قابلة للتصديق عن اليوم الذي أكل فيه سمكا نيئا فوق كرات من الارز. وربما سأخبر أطفالي ذات يوم بتلك المغامرة. لكن بعد عودتي إلى الولايات المتحدة بعامين وجدت مطاعم السوشي قد أصبحت شائعة جدا في وسط حي مانهاتن بنيويورك، ووجدت اطفالي يأكلون السوشي ثلاث أو أربع مرات في الأسبوع؛ ففي مدينة ناشفيل بولاية تنيسي، وعلى الرغم من غياب مطاعم فرنسية أو إيطالية متميزة بالمدينة إلا انه اصبح هناك عدد من مطاعم السوشي.
ومع كتب مثل «شينتو السمك» لتريفور كورسون و«اقتصاد السوشي» لساشا ايسنبرغ، فإن المسعى الآن هو جعل هذه الأكلة فاخرة بالنسبة للمطبخ العالمي في القرن الواحد والعشرين.
وعلى الرغم من أن السمك النيئ هو ما يحضر للذهن عند التفكير في أكلة السوشي، لكن كما يقول كورسون ف «التقاليد اليابانية في أكل السمك النيئ لا علاقة لها بالسوشي، الذي يبدأ كطريقة في حفظ السمك القديم». فمزارعو الرز في جنوب شرقي آسيا، حسبما يقول كورسون، كانوا يجمعون السمك ويحفظونه في «مرطبانات» مع رز مطبوخ لحفظه. وكانت نتيجة التفاعل شيئا أقرب إلى الجبن العفن منها إلى سمك الهاماتشي الطازج. ومع تبني هذه الطريقة تمكن اليابانيون من تطوير السوشي الذي ظل يعتمد على الرز المخمر لما فيه من طعم حامض. وعادة يستخدم سمك الشبوط بعد تمليحه وضغطه في الرز تحت حجر. أما ساشيمي الذي هو في هيئة سمك نيئ فهو شيء آخر، إذ أنه أكلة ارستقراطية غير معروفة في المناطق الشعبية داخل المدن.
وجاءت لحظة الكشف حينما وضِع سمك طازج مهروس في صحن من الرز المتبل بالخل تم تناوله مباشرة. لكن الاكتشاف جرى في مكان آخر، في مدينة ايدو التي تحول اسمها بعد فترة قصيرة ليصبح طوكيو، خلال القرن التاسع عشر. وحدث ذلك حينما شعر أحد الأشخاص بالتعب وهو ينتظر تخمر السوشي. وما عرف بالسوشي لاحقا تم ابتكاره كأكلة سريعة للعمال، وللباعة المتجولين. وربما عرضت صلصة الصويا لتقليد طعم السمك المخمر الذي يعود إلى نمط سابق. وجاء زلزال عام 1923 ليمسح المدينة تماما ويفرق عددا كبيرا من طباخي السوشي إلى أجزاء أخرى من اليابان.
وفي منتصف الستينات فتح مطعم اسمه طوكيو كايكان سلسلة مطاعم صغيرة خاصة بالسوشي في لوس أنجليس، وهناك بدأ رئيس طباخين اسمه ايشيرو ماشيتا بعد عجزه عن العثور على مادة التورو، باستخدام الافوكادو القشدي تعويضا عن بطن سمك التونا الشحمي، وتمكن أن يحظى برضى ملايين عشاق السوشي بمن فيهم ابني باريت. وكانت لوس انجلس نقطة انتشار أكلة السوشي في كل الولايات المتحدة، حيث جذبت عددا كبيرا من رؤساء الطباخين اليابانيين أتوا إلى أميركا، سعيا لكسب مالي واسع ولتجاوز فترة التدريب الموضوعة في اليابان والتي تستغرق 10 أعوام. وهناك آخرون تتبعوا مندوبي الشركات اليابانية في نيويورك خلال سنوات الازدهار الاقتصادي التي عاشتها اليابان. وفي عام 1983 منحت ناقدة الأكلات ميمي شيراتون في صحيفة «نيويورك تايمز» مطعم السوشي الصغير هاتسوهانا جائزة الأربع نجوم.
وظل تريفور كورسون، مؤلف «شينتو السمك» يتنقل ما بين لوس انجلس واليابان لكي يتتبع التجارب التي تقوم بها أكاديمية سوشي كاليفورنيا والتي تم تأسيسها عام 1998 لتدريب الأميركيين الذين ينوون أن يصبحوا طباخين للسوشي. إنها استراتيجية ذكية؛ إذ يتعلم القارئ ممارسة وتاريخ السوشي جنبا إلى جنب مع الطلبة. من جانب آخر، كان تركيزه على الطالبة الأقل نجاحا بسبب عدم حبها للمس السمك وخوفها من السكاكين الحادة. من ناحية أخرى، عكس لنا كتاب كورسون صورة عن الطلبة الأميركيين هناك بشكل معاكس لصورة المساعد الياباني، وهذا يمكنه أن يساعد على ترسيخ وجهة النظر القائلة إن الشخص غير الياباني بصورة عامة، والنساء بشكل خاص، لا يمتلكون القدرة كي يهيئون الطبخة وراء مطاعم السوشي. لكن شخصا ما تمكن من الحصول على طباخ جعل انتشار مطاعم السوشي ممكنا في أوكلاهوما ونبراساكا.
ومن حسن الحظ أن مشاهد غرفة الدرس تقاطع بفصول مسلية غالبا حول تاريخ السوشي، والبيولوجيا البحرية وملامح الذوق. وبينما يتعامل الطلاب مع الماكاريل، فان كورسون يقدم توضيحات حول ابتكار صلصة الصويا، والحياة الجنسية للطحالب الحمراء وأهمية الأومامي، وهو الذوق الخامس الغامض الذي يرتبط بالكثير من فن الطبخ الشرقي. وفصله عن الرز، وهو موضوع يسلم الأميركيون به جدلا، هو نفسه يبرر ثمن الكتاب. وفصل كورسون حول التونة الكبير الحجم على نحو مدهش. ويكرس ساشا ايسينبيرغ، من ناحية أخرى، معظم «اقتصاد السوشي» للتونة البلوفن (الأبيض كبير الحجم) الذي يعتبره الحيوان الطوطم للاقتصاد العالمي. ويكتب اسينبيرغ «في أماكن قليلة يكشف عن الآليات المعقدة للعولمة على نحو ظاهر في رحلة التونة من البحر الى مطعم السوشي». ويطرح ايسنبرغ سوق تونة الحجم الكبير واقتصاد السوشي عموما كمثال على العولمة الجيدة، وهو ما يعارض نظريا حركة (الغذاء البطيء) التي تأسست عام 1986 للاحتجاج على ماكدونالدز في روما. ويروج التحالف الناشئ مزايا المطبخ الاقليمي و«يصل الى ما وصفه البعض باعتباره الجناح المطبخي للحركة المناهضة للعولمة». ولكن تجارة السوشي العالمية، كما يصورها ايسنبرغ، سوق قديمة خاضعة لنزوات الطبيعة وشبكة معقدة من العلاقات الشخصية. ويطرح ايسنبرغ حجة يقول فيها «انه واحد من المجالات الأخيرة التي يبقى فيها البشر يعيشون على الصيد. وعبر السوشي نرى ان التكامل لا يحتاج أن يأتي فقط من الدفاع عن أرض القبيلة ولكن يتعين الكشف عنه في الحركة أيضا. فالتغلب على المسافة جغرافيا وثقافيا يمكن أن يكون مأثرة القيم الليبرالية للحركة والاتكال المتبادل وتقوي المجموعات السكانية المحلية بدلا من تهديدها». وقد لا يتفق المدافعون عن البيئة مع هذا التشخيص؛ فالاحتياطي من تونة البلوفن قد لا يتجاوز شهيتنا لتونة الماغورو، وناقلات هياكلها من بوسطن الى طوكيو لا تفعل خيرا للأوزون. غير أنه ما يزال يمتلك قصة جيدة ليرويها.
في طوكيو القرن التاسع عشر، كان سمك التونة يعتبر سمكا ثانويا، وكانت رغبة اليابانيين في البلوفن والبيغي لم تنشأ إلا بعد الحرب. وعكست الشهية المتزايدة للبلوفن، وهو أثمن أنواع التونة، نمو الاقتصاد الياباني، مقلصا الاحتياطي في المياه المحيطة باليابان. وفي غضون ذلك فان موظفا في الخطوط الجوية اليابانية اسمه أكيرا أوكازاكي كان يحاول إيجاد سبيل لملء الحمولة الفارغة في الرحلات الجوية العائدة، والطيارات التي كانت تتجه الى أميركا الشمالية مليئة بالسلع اليابانية المصنعة والإلكترونية. وليس بعد فترة طويلة من زيارة سوق أسماك تسوكيجي الشهير وملاحظة السعر المرتفع لتونة البلوفن، ادرك أوكازاكي ان السمك وافر في شرق الأطلسي، حيث يعتبر ضئيل القيمة. وبعد اقناع صيادي السمك المعارضين في برينس ادوارد آيلاند للبحث عن البلوفن، وبعد كثير من التجربة والخطأ مع التجميد، فان المزاد الأول المهم للبلوفن الكندي جرى في سوق تسوكيجي يوم 14 اغسطس(آب) عام 1972. وبحلول صيف عام 1974 كان 91 في المائة من الحمولة الخارجة على رحلات الخطوط الجوية اليابانية من كندا من البلوفن المتجه الى طوكيو. ويقول ايسنبرغ ان «السوشي كان قد بدأ كشكل من أشكال الحماية، ولكنه اصبح شيئا معاكسا، أي طريقة لاستخدام البنية التحتية للحداثة لمصاحبة طبق لذيذ في مختلف أنحاء العالم». ويقول انه على مدى عقدين من الزمن ارتفع متوسط سعر تونة البلوفن الذي يدفع الى صيادي الأطلسي بعشرة آلاف في المائة». ووفقا لما يقوله ايسنبرغ فانه بحلول منتصف السبعينات، فان البلوفن الذي يصطاد في الأطلسي يوم الأحد يمكن أن يؤكل في العشاء بطوكيو يوم الأربعاء. ويقول كورسون ان «لدى اليابانيين اسما مستعارا للبلوفن وهو شيبي. وتعني أربعة ايام. وفي عهد ما قبل التجميد وعندما كان أحد يصطاد البلوفن فانه يدفنه في الأرض لمدة أربعة ايام قبل تناوله».
ويتابع اسينبيرغ رحلة التونة من سوق تسوكيجي الى مصادره في شمال الأطلسي والبحر الأبيض المتوسط وجنوب المحيط الهادي، متوقفا على امتداد الطريق في غلوسستر بولاية ماساشوسيتس، حيث دخل رجل الدين سون ميونغ مون السوق، وفي بورت لنكولن في ساوث أستراليا التي يقام فيها مهرجان التوناراما وتشتهر بحقول تونة البلوفن، وفي جامعة كينكي اليابانية، ومركز أبحاث تربية التونة. ورحلته المسلية في الغالب تحتوي على تفاصيل مؤلمة أيضا. وقد تطلب منه الأمر صفحتين لوصف انزال سمكة تونة كبيرة من القارب الى رصيف السفن، وهي قطعة تبدو أطول من التوجه جوا الى اليابان.
ويروي رحلة نوبو ماتسوهيسا، متعهد السوشي الأكثر شهرة في العالم، من اليابان الى نيويورك ولندن عبر بيرو وألاسكا ولوس انجليس. ويتابع رحلات تاجر السوشي الكبير تاكاماسا أونو من هوكايدو الى داليان في الصين. وإذا كان استهلاك السوشي كما يفترض ايسنبرغ مؤشرا أساسيا على التحديث ودليلا مهما على المساهمة في الاقتصاد العالمي، فان المسألة بالتالي مسألة وقت قبل ان تصبح الصين والهند أسواقا كبرى لتونة البلوفن. ويكتب قائلا ان «تناول السوشي يعني الكشف عن امكانية الوصول الى شبكات التجارة المتقدمة والدخول الكامل الى التجارة العالمية». ويفتتح ماساهارو مويموتو، نجم برنامج (الطاهي الحديدي) في التلفزيون الياباني مكانا في مومباي. وعندما يبدأ الناس بأكل التورو في كلكتا كما يقول ايسنبرغ فان «الهند ستدعي بنجاح بأحقيتها في مثال غربي للحداثة لا يمكن لعدد من المراكز الأخرى القيام به». اما امكانية ان تكون تربية التونة وصناعاتها قادرة على ان تتوافق مع معدل الطلب على هذا الطعام الفاخر الجديد بعد الانهيار المحتم لصيد الأسماك، فقصة أخرى.
* خدمة «نيويورك تايمز»























































































