محمد كولال -المغرب الازرق
لقد كان البحر ولا يزال مجالا حيويا خصبا للإنسان منذ القدم ، بصفته فضاءا مهما للإتصال والتواصل،وبإعتباره عنصرا هاما لإكتساب موارد الرزق،وهو ما ترتب عنه بالضرورة نشوء علاقات مجتمعاتية،إتسمت في الغالب بتعارض المصالح والتنافس حول هذا الـفضاء البحـري الشاسع ، المتمـثل في ثلثي مساحة كرتنا الأرضية ، ليبدأ التفكير جديا في وضع قواعد وقوانين ، لتنظيم هذه العلاقات والتعاملات البحرية المتصادمة ، إذ يمكن إرجاع الآثار الأولى للقوانين البحرية إلى ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد ، وذلك من خلال الأعراف والقـوانين التي نشأت بين بلدان البحـر المتوسط ، التي كانت تربطها ببعضها الـبعض علاقات بحرية مثل بلدان مصر وكريت وقبرص ، إلا أنه لم يصلنا شئ من هذه القواعد ، ويرى بعض الباحثين أن البابلييين هم أول من عرفوا عـقد ” القرض البحري “،الذي هو بمـثابة أصل للتأمين البحري ، وقد أخده الفينيـقيون عنهم بفعـل الإتصال التجـاري ببابـل،وعرفـت جزيـرتهم “رودس” أهـم القوانـين البحـرية المتمـثلة في ” قانـون الإلغاء “، المتعـلق بالخـسارات البـحـرية المشتــركة ، وعـرف الإغـريـق عــقـد “القـرض البحـري” في القـرن الرابع قبل الميلاد ، عن جزيرة ” رودس ” الفينيقية ، وكانت هذه مجمل القوانين البحرية المعروفة في العصر القديم .
أما فيما يخص العصور الوسطى فقد نشأت عناصر القانون البحري بمعناه الحديث ، بفعل الحروب الصليبية في القرن الحادي عشر ، ونظرا لإنتعاش الملاحة البحرية ، وإزدهـار التـجارة البحـرية ، فقد نشـأت عادات وأعراف بحرية في غرب أوربا تـم تدوينها في مجموعات معينة أشهرها :1ـ (مجـمـوعة قواعد أولـبيـر) التي يرجـع تاريخـها إلى القـرن الثـاني عشـر ، وقـد قـننـت الفـضاء البحـري الـذي إسـتقـر في الموانئ الفرنـسية في المحـيط الأطـلـنطي .2ـ (قـنصليـة البحـر) المنـسـوبة إلى محـكـمة بحـرية في برشـلـونة ، والـراجـح أنـها دونـت هذا الإتفاق للبحارة ، في القـرن الرابـع عـشر باللغة المحلية لأهالي برشلونة .3ـ (مرشد البحـر) وهو عبارة عن مجـموعة تم وضـعها في روان بشـمال فرنسا في القرن السادس عشر ، والتي ارسـت لأول مـرة قـواعد تفصـيلـية للـتـأمـين البـحري .
وبحـلول نهاية العصور الوسطى ، وبـداية العصر الحـديث ، برزت ظاهرة الصراع والتنافس خاصة بـين القـوى البحرية العظمى كالبرتغال وإسبانيا وبريطانيا ، فـقد كانت محاولة تطبـيق قـواعد عـامة ، لثـلثي مسـاحة الأرض ، دائـما محفـوفة بصعوبات لا تقل في القرن الواحد والعشرين عنها في القرنين السادس والسابع عشر ، بعيدا عن مسألة السيطرة والولاية القضائية على البحار ، والتي كانت في مجملها مسألة قوة ومسألة سياسية محضة ، وطـيلة هذه المدة كانت الأمم البـحرية الرئيسية ، في موقف المطالب بمساحات شاسعة من أعالي البحار كجزء من ملكيتها الإقليمية التامة ، لكنها إصطدمت بمبدأ ” البحار المفتوحة ” كبـداية لرسم الملامح الأولى للقانون الـدولي الحـديـث ، بالـدعـوة إلى إقـرار مبدأ أساسـي وهو مـبـدأ ” حرية الملاحة ” الذي يرجـع الفـضل فـيه إلى الهولـنديين في البـداية ، وفي مقـدمتهم الهولـندي المعروف ” غروتيوس ” ،والذي أقـّـر مبدأه العـرف الدولي للبحـار عند تأسـيسه ونشـأته خلال القـرن السادس عشر الميلادي ، ويعود له الفضل أيضا في وضع أول مبدأ منهجي لحرية البحار ، ولقد ظل القانون البحري ولقرون عديدة محكوما بمبدأ ” حرية البحار ” ،والذي تم من خلاله تقسيم البحار والمحيطات إلى ثلاثة أقسام هي : ـ المياه الداخلية ـ البحر الإقليمي ـ البحر العالي ، في إطار ما يعرف عند الباحثين بـالمرحلة العرفية المحددة فيما قبل 1958 .
واستمر الحال على ما هو عليه إلى حدود سنة 1958 تاريخ الإتفاقية ، التي تم إعتمادها في المؤتمر الأول للأمم المتحدة لقانون البحار في جنيف ، وهي المعاهدة التي من خلالها قسّم البحر إلى خمس مناطق هي : ـ المياه الداخلية ـ البحر الإقليمي ـ المنطقة المنتخمة ـ الإمتداد القاري ـ البحر العالي .
وإذا كان المؤتمر الثاني للأمم المتحدة لقانون أعالي البحار المنعقد هو الآخر بجنيف ، لم يتوصل إلى أي نتائج جديدة ، فإن المؤتمر الثالث ، قد أسّس لمرحلة جديدة من خلال إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 والتي تم من خلالها إعادة تقسيم البحر إلى ثماني مناطق جديدة هي : ـ المياه الداخلية ـ البحر الإقليمي ـ المنطقة المنتخمة ـ المنطقة الإقتصادية الإستئثارية ـ البحر العالي ـ المياه الأرخبيلية ـ الإمتداد القاري ـ المنطقة الدولية ، وهوالأمر الذي مازال ساريا حتى الآن .























































































