عبد الرحيم النبوي/ المغرب الازرق
لم تعد الإكراهات التي تواجه مهنيّي الصيد البحري بإقليم الصويرة مرتبطة فقط بتكاليف الإنتاج وصعوبات التسويق، بل امتدت لتشمل تداعيات تطبيق بعض المقتضيات القانونية والتنظيمية، وما تطرحه إجراءات المراقبة الصحية من تحديات عملية قد تنعكس على استمرارية النشاط المهني ومردوديته الاقتصادية. وفي هذا السياق، تصدّر ملف تطبيق القانون رقم 83.13 المتعلق بالزجر عن الغش في البضائع، ولاسيما في علاقته بمهنيّي صيد الأربيان، النقاش الذي احتضنته أشغال الجمع العام العادي لغرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية، المنعقد يوم الأربعاء 28 أكتوبر 2026.
وأعاد هذا الملف طرح تساؤلات بشأن كيفية تنزيل المقتضيات القانونية على واقع الممارسة المهنية، في ضوء محاضر المعاينة المنجزة من طرف المصالح المختصة التابعة للمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، وما يرافقها من إجراءات وتبعات تثير انشغالات لدى عدد من الفاعلين في القطاع، خصوصاً في ما يتعلق بتدبير المنتوجات البحرية سريعة التلف.
وخلال مناقشة هذه الإشكالات، عبّر ممثلو المهنيين عن الحاجة إلى مراجعة أساليب التعامل مع المخالفات، بما يضمن وضوح الالتزامات القانونية، وتوحيد فهم النصوص التنظيمية، وتفادي التأويلات المتباينة، مع مراعاة الخصوصيات التقنية والاقتصادية لقطاع الصيد البحري. وشددوا على أن حماية المستهلك وضمان سلامة المنتجات البحرية هدفان أساسيان لا خلاف بشأنهما، غير أن تحقيقهما يقتضي، في نظرهم، اعتماد آليات مراقبة فعالة تراعي أيضاً ظروف اشتغال البحارة والإكراهات التي تواجههم يومياً.
ومن أبرز النقاط التي أثارت اهتمام المتدخلين، المطالبة بإحداث مختبر للتحليلات الميدانية بإقليم الصويرة، باعتباره مرفقاً من شأنه تقريب الخدمات المختبرية من المهنيين، وتسريع إنجاز التحاليل والحصول على نتائجها، والحد من الخسائر التي قد تلحق بالمنتوج السمكي نتيجة التأخر في استكمال الإجراءات المرتبطة بالمراقبة.
ويكتسي هذا المطلب أهمية خاصة بالنسبة إلى منتوج الأربيان، الذي يتطلب عناية دقيقة وظروفاً ملائمة للحفظ والتداول، بالنظر إلى طبيعته سريعة التلف وحساسيته لعامل الزمن. فكل تأخر في استكمال مساطر المراقبة أو الحصول على النتائج المخبرية قد يفاقم، بحسب الانشغالات التي عبّر عنها المهنيون، مخاطر تراجع جودة المنتوج أو ضياعه، بما يترتب عن ذلك من خسائر مادية يتحملها العاملون في هذا النشاط.
ويرى المهنيون أن توفير بنية مختبرية قريبة من مناطق نشاطهم من شأنه أن يسهم في تسريع معالجة الملفات المرتبطة بالتحاليل، وتعزيز فعالية المراقبة الصحية، وتحسين شروط تدبير المنتوجات موضوع المعاينة، مع احترام المعايير القانونية والصحية المعمول بها.
كما يفتح هذا المطلب النقاش حول ضرورة تطوير الخدمات المرافقة لقطاع الصيد البحري، حتى لا تتحول الإكراهات المرتبطة بالمساطر والآجال إلى عامل إضافي يثقل كاهل المهنيين، في ظل ما يعرفه القطاع من تقلبات اقتصادية وصعوبات مرتبطة بالإنتاج والتسويق.
وفي معرض مناقشة تداعيات تطبيق القانون رقم 83.13، شدد المتدخلون على أهمية إرساء توازن بين متطلبات المراقبة القانونية والصحية وبين حماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للمهنيين، مؤكدين أن الصيد البحري ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل يشكل ركيزة أساسية للتشغيل ومصدراً للعيش بالنسبة إلى آلاف الأسر المرتبطة بمختلف حلقات سلسلة الإنتاج والتسويق.
وأشاروا إلى أن تعدد الإجراءات التنظيمية، وما قد يترتب عن بعض المخالفات من غرامات أو تدابير تؤثر على تسويق المنتوج، يفرض تعزيز التواصل بين الإدارات المعنية والمهنيين، وتوضيح المساطر الواجب اتباعها، بما يضمن معرفة دقيقة بالالتزامات القانونية ويحد من النزاعات وسوء الفهم.
كما أكدوا أن خصوصية المنتجات البحرية، ولاسيما الأصناف الحساسة وسريعة التلف، تستدعي اعتماد آليات عملية وفعالة في المراقبة والمعالجة، تسمح بالتوفيق بين سرعة التدخل وضرورة التحقق من سلامة المنتوجات ومطابقتها للمعايير المطلوبة.
وفي مقابل التشديد على ضرورة احترام القانون، دعا ممثلو القطاع إلى إعطاء مكانة أكبر للتوعية والتحسيس والتكوين والمواكبة، باعتبارها أدوات وقائية من شأنها مساعدة المهنيين على استيعاب المقتضيات القانونية وتطبيقها بالشكل الصحيح.
وأكدوا أن معالجة المخالفات لا ينبغي أن تنحصر في الجانب الزجري، بل يتعين أن تواكبها جهود مؤسساتية لتبسيط المساطر وتوضيح الإجراءات وتقديم الإرشادات اللازمة، بما يساعد على تفادي التجاوزات قبل وقوعها، ويرفع من مستوى الالتزام بمعايير الجودة والسلامة الصحية.
وفي هذا الإطار، برزت أهمية اضطلاع غرفة الصيد البحري الأطلسية الشمالية بدور الوساطة والتنسيق بين المهنيين والجهات المختصة، من خلال نقل الانشغالات المطروحة والدفاع عن الحلول العملية الكفيلة بتحسين ظروف ممارسة النشاط، مع الحفاظ على الدور الأساسي للمراقبة الصحية في حماية المستهلك وضمان سلامة المنتجات المعروضة للتسويق.

كما دعا المتدخلون إلى فتح حوار مؤسساتي حول الإشكالات المرتبطة بتطبيق القانون رقم 83.13، بما يتيح الوقوف على الصعوبات الميدانية وتحديد المسؤوليات بدقة، واستكشاف السبل الممكنة لتجاوز الاختلالات التي قد تنعكس سلباً على المهنيين والمنتوج البحري على حد سواء.
وذهب النقاش إلى التأكيد على أن تحسين جودة المنتجات البحرية وتطوير منظومة تسويقها لا يمكن أن يتحققا من خلال مراقبة الأسواق وحدها، بل يتطلبان تدخلاً متكاملاً يبدأ من مرحلة الصيد، مروراً بالحفظ والنقل والتحليل، وصولاً إلى التسويق النهائي.
وتقتضي هذه الرؤية، بحسب ما أثير خلال المناقشات، إشراك المهنيين في إعداد التدابير التي تهمهم، وتعزيز البنيات التحتية والخدمات التقنية، وتوفير التكوين والمواكبة، إلى جانب تحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين في سلسلة الصيد البحري.
ويبرز مطلب إحداث مختبر للتحليلات الميدانية بالصويرة، في هذا السياق، باعتباره أحد المطالب العملية التي تستدعي الدراسة والتفاعل المؤسساتي، بالنظر إلى ما يمكن أن يحققه من تقريب للخدمات وتسريع للتحاليل والحد من مخاطر ضياع المنتوجات سريعة التلف، وفي مقدمتها الأربيان.
وان الرهان المطروح الان هو الانتقال نحو تدبير تشاركي أكثر نجاعة، يجمع بين المراقبة الفعالة والمواكبة المهنية والاستثمار في البنيات الضرورية مع حماية المهنيين من الخسائر المرتبطة بتأخر الإجراءات من اجل ضمان سلامة المنتجات البحرية، باعتبار ان أي نجاح مهني لا يقاس فقط بمدى صرامة المراقبة، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية المستهلك، وصون قيمة المنتوج، وضمان شروط عمل تحفظ كرامة البحارة واستمرارية نشاطهم الاقتصادي.























































































