عبد الرحيم النبوي –المغرب الأزرق-أسفي
لقد لعب البحر دورا متميزا في تشكيل طابع الحياة الاجتماعية التي عاشها سكان مدينة أسفي، كما كون الاهتمام بالصيد سمات خاصة ، تميزت بها أشكال الإبداع في الفنون الشعبية بالمنطقة ، سواء في ذلك الفنون التعبيرية أو التشكيلية ، أو الحرف اليدوية.
منذ القدم كانت رحلة الإنسان مع موج البحر ، و هي رحلة الخروج من عالم محدود إلى عالم لا نهائي ، المرئي فيه أبعد من الملموس و المدرك أبعد من المرئي ، والظاهر مغاير للكامن في الأعماق. و منذ أن أوحى الله إلى نوح ـ عليه السلام ـ بصنع الفلك لتجري في البحر بأمره، خطت البشرية خطوات واسعة في سبيل المعرفة ، و انتقل الإنسان بخبرته الجديدة في صنع الفلك من عالم السكون و الثبات على الأرض إلى عالم الحركة و التغير عبر موجات الماء ، فعبر المحيطات ، و اكتشف القارات ، و تنوعت اتجاهاته بعد ذلك في إدراك الحياة .
فتجربة الإنسان مع البجر من أكبر التجارب التي مـــر بها حينـــــــما واجـه الموج و الطوفا، و حياة البحر ، حياة متعددة الجوانب ، مليئة بالانفعالات ، غنية بالخبرة الإنسانية ، تعتمد على الإنسان في عزيمته و إصراره و تآلفه مع غيره لتحقيق الغاية المرجوة من الخروج إلى البحر ، في تطلع إلى عالم يفوق عالمه المحدود ، عالم كل ما فيه جديد، لأن فيه حركة مستـمرة ، و تغيرا دائما ، و الحركة و التغير هما سر الحياة ، وواقع الزمان ، حينما يخرج الإنسان من عالم السكون إلى عالم التغير.وكل هذا كان له الأثر البالغ في حياة سكان أسفي وخاصة البحارة منهم .
و حكاية الإنسان – منذ أن خلقه الله ـ تكمن في محاولة إدراك الزمان و معرفة المكان. يقول عز و جل : ” هو الذي يسيركم في البر و البحر ، حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ، جاءتها ريح عاصف ، و جاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم ، دعوا الله مخلصين له الدين ، لئن أنجيتنا من هذه لتكونن من الشاكرين”.
فمنذ القدم إذن ، كانت رحلة الإنسان مع موج البحر ، و هي تجربة إنســــــانية خاصـــــــة و متميزة عن غيرها من التجارب تحمل في مضمون ممارستها أعقد المواقف الدرامية التي يجابهها الإنسان في حباته حينما ينتقل من الثابت ( الارض) إلى المتحرك (الموج) . إنها فعلا تجربة درامية خاصة بما يحمل معنى التجربة من الانتقال من حالة إلى أخرى ، ومن واقع إلى آخر متغير مجهول. فالإنسان في البحر يعتمد على عزيمته و قوته و إرادته ، وعــون الله أولا وأخيرا. وهذا ما تجلى بصورة واضحة في أغاني البحر بأسفي والتي يطلق عليها اسم : ” تاكبالت “
فالبحر عالم مليء بالغرائب و العجائب و التاريخ القديم بل والحديث حمل لنا روايات عديدة عن عجائب البحر ، سواء ماله وجود حقيقي من أسماك ملونة بديعة الخلق، أو كائنات شرسة غريبة الأطوار ، أو جزر مجهولة لا يعرف الإنسان عنها شيئا.
و مع ذلك كله ، فالبحر رفيق الإنسان في رحلة هذا الإنسان منذ نعومة أظفاره ، فيتعايش مع مياهه و أنواعه .. ركب البحر صيادا على شواطئه ، و جوالا على متن سفنه ، بين الموانئ القريبة و البعيدة، مجا لدا مصابرا ، حتى لكأنه جزء منه. و هذا ترك في حياة هذا الإنسان بصمات واضحة ، تبدو في علاقته مع غيره، و أساليب حياته و سلوكه وطباعه و عاداته و تقاليده ، و فيما يتغنى به من قول و حركة و تشكيل مادة ، بأسلوب مطبوع بطابع الإحساس الفطــري البسيـــــط ، و التعبير الساذج عما يختلج في نفوس البحارة. لكن رحمة الحياة المعاصرة و تعقيدها فرط عقد البحارة في أسفي ، و في غيرها من المدن البحرية ، فتخلى كثير منهم عن بيئته ، و طفق يبحث عن سبل أخرى للعيش، مما جعل معظم التراث الشعبي البحري ينزوي في زوايا النسيان ، و من هنا كانت الصعوبة في لم شتاتــــــــه، و البحث عن أصولـــــــــه ورواســـــــبه .























































































