عبد الرحيم النبوي-المغرب الأزرق-أسفي
يلاحظ في اغاني البحر ، الاتكال على الله في كل عمل يقوم به البحارة ، و هذا شعارهم يبدأون به الرحلة ، غلى ان يعودوا ، فمصيرهم معلق بيد الله، و توفيقهم منوط برعايته . لهذا ، فهم ينطلقون باسمه الكريم في أغلب أغانيهم ، و أغلب أعمالهم ، فيشيع الهدوء و السكينة و الطمأنينة في نفوسهم ، و يرددون ذلك و هم يعدون السفينة و يحضرونها للرحلة .
أعـــــــــــــــــــوذ بالله نعلو إبليس اللهـــــــــــــم
ولايلاه و لايــــــــــلاه و لايلاه رجــــــــــــــال الله ..
تساركا بسربية دا برا خدادا سيدي بوزيد يالوالي مولى بلادنا
ثم يشرعون في مدح الأولياء ، فيقولون :
ايا سيــــــــدي احمــــــــــــد حرمة بابــــــاك داوينـــــــــــي
أشقنا شوق ناس لمــــــلاح حرمة بابـــــــاك داوينـــــــــــي
أمولاي بوزكري غير علينا عساس المرسى دخيل ليك برجال الله..
و هكذا نرى أن أغنية العمل الشعبية ، تختلف باختلاف البيئة و الثقافة والانتاج . فالبيئة البحرية تختلف عن البيئة البرية ، و البيئة الجبلية تختلف عن البيئة السهلية المنبسطة. فلكل بيئة من هذه البيئات إذن ، ثقافتها و أعمالها الخاصة، و إنتاجها المميز، و بالتالي أغانيها الشعبية المختلفة.
و يلاحظ أن اهم ما يتميز (تاكبالت) ، البساطة التي تظهر في المعنى اللغوي، و في التركيب الإنشائي للتنغيم . و من خلال لقاء مع الحاج عبد الله بن حيدة و هو من المنشدين القدماء ، افادنا أن (تاكبالت) منذ كان يرددها مع البحارة القدماء ، كانت دائما ذات كلمات واضحة . و في الواقع أننا نكاد لا نجد فيها حالات تعقد الأسلوب.
أما فيما يخص الوزن الموسيقي أو الميلوديا الموسقية، فإن (تاكبالت) مثل بقية الأغاني الشعبية الأخرى ، تتميز بموسيقية خاصة ، تتناسب و الظروف التي تؤدي فيها ، فغالبا ما يكون إيقاعها بطيئا جدا.
و هناك صفة أخرى ، و هي الناحية الصوتية للتنغيم اللفظي، إذ غالبا ما يسير على نفس القياس بالتتابع، مثل تكرار بعض الكلمات ، و يظهر ذلك بوضوح في الأمثلة التي سقناها سابقا.
فهم يقسمون هذه الأغنية بينهم ، ففريق يردد ” أعوذ بالله، ” و الفريق الآخر يرد عليهم
باسم الله بها ابدينا و على النبي صلينا
فأصحاب هذه السفينة، بدأوا يتوغلون في البحر، بينما غيرهم راجع إلى الميناء ، و هم أيضا يغنون مرددين:
يا فتاح اعلى لعبـــــــــــاد يا مـــــــــــــــــــــولانا
يا رزاق لعبــاد سهل لانا يا مـــــــــــــــــــولانا
أدرت أعلى لبحر شميت العنبر أمولاي بوزكري كابوس معمر
و هذه سفينة اخرى يردد راكبوها الصلاة على النبي :
الصلاة اعليك أبوا لانـــــوار بولنوار محمد محمد نبيا
في الآخرة يشفع فيـــــــــــنا الجـــــــــيد ياربـــــــــــي
و نجد سفينة أخرى إما رائحة أو غادية يقول ملاحوها :
لالة مكة يا الحبيبــــــــــــــة أمصاب انكون ليك اقريب
يصبـــــــــح و يماســــــــــي و يجـــــــــاور محمـــــــــد
و سفينة أخرى يسمع من بحارتها :
اوزيدو فالصلاة على نبينا و اعلى آله ولي باته للاحليما صلوا عليه
أما عند ما يريد البحارة في آسفي إنزال السفينة إلى البحر ، أو ما يسمى بلغتهم ( تعويمها) ، فلهم في ذلك أيضا أغنياتهم الشعبية. فبعد الاستعادة بالله تبارك و تعالى ، و البسملة و الصلاة على النبي يقولون:
الفاتـــــــــــــــــــح باب الله إساعـــــــــــدي مولانـــــا
و حين يتوغلون في البحر، و يرون الطيور تحوم حول مواقع السمك و السردين، يبدأون حينئذ في ترديد أغنية (تا حوا تت) ، و ينادون على نوع من السمك :
تساركا تلوا شماتا بارعا ربي إينوب الله ينوب مولانا الكريم
و يقولون أيضا :
الطيور اللي طاروا فالسما عملوا دارا حين شافوا نبينا جاو عندو بلغارا
يتم ذلك كله في إطار من التناغم ، وكـأنها صمفونية موسيقية تتنوع إيقاعاتها وتتعدد تموجاتها الغنائية ، مما يوحي بانسجام حي ونابض بين الإنسان ( البحار) والبحر . إنه تراث أثيل من المستحسن الحفاظ عليه وصيانته حفظا لذاكرة مدينة أسفي .. هذه المدينة التي تحبل بالكثير من العطاءات الغنية في مختلف المجالات . يكفي العمل بصدق وإخلاص وتفان ليعود إليها مجدها الضائع ، والقها الوهاج الذي عرفت به طوال سنوات مضت . وهذا ليس بعزيز على أبناء أسفي للالتفات إلى أهم العناصر القوية التي تضمن لهذه المدينة عودة قوية لتحقيق النهضة المنشودة ، وكذا الاهتمام بوضعها الاقتصادي والاجتماعي والفني والثقافي والعلمي ، علما يأن العنصر البشري في أسفي مؤهل ليكون في الموعد بغيىة الرفع من مستوى التجاوب مع كل الانتظارات . ولن يتحقق ذلك إلا بتضافر الجميع كل من موقعه . فمدينتنا اليوم ـ أكثر من أي وقت مضى ـ في أمس الحاجة إلى بذل المزيد من الجهد والعمل البناء خدمة للصالح العام وتجاوبا مع طموحات السكان .. وهذا قمين بأن يتحقق إذا تجند المواطن الأسفي لخدمة مدينته بما أوتي من قوة إبداعية تفيد في رفع ما تراكم على هذه المدينة من فترات عرفت فيها بعض الجمود والفتور أثر على تقدمها ونهضتها .
لهذا ، أصبح من المطلوب العمل بجدية لتكون مدينتنا في مستوى ما نطمح إليه جميعا .
وذلك بالمساهمة في دعم وتقوية مختلف الأوراش المفتوحة في مختلف المجالات ، حتى تكون أكثر جاذبية إضافة إلى إذكاء روح التفاؤل وإشاعته بين الأجيال الحاضرة لتحقيق غد أفضل يعيد لمدينة أسفي حضورها القوي كباقي مدننا المغربية الأخرى . ولعل إطلاق ابن خلدون اسم ” حاضرة المحيط ” على مدينة أسفي لم يكن عيثا ، وإنما نتيجة ما كانت تتمتع به من مستوى حضاري رفيع جعلها تتبوأ مكانة رفيعة على كل المستويات .
إنه لا يكفي أن تكون لنا غيرة على مدينتنا ، بل الأهم هو ترجمة تلك الغيرة إلى العمل الجاد الملموس بكفاءة واقتدار . فالمدينة برجالاتها ونسائها وبما أوتوا من قدرة إبداعية . ولن يكون لها حاضر قوي ومستقبل مزدهر بدون مشاركة الجميع في إطار من التوافق والانسجام وحب الوطن والتفاني في خدمته تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة سيدي محمد السادس نصره الله الذي ما فتئ يولي كبير اهتمامه برعاياه ، هدفه وغايته أن يكون المغرب قويا بسواعد أبنائه من طنجة إلى لكويرة . وبناء عليه ، أصبح من الضروري مد جسور التعاون والتضامن من أجل مدن قوية ومغرب متفتح ومزدهر .























































































