كتبها للمغرب الأزرق محمد الخليفي
ربان صيد
إن حماية البيئة البحرية يعتبر مطلبا أساسيا أجمع عليه كل المهتمين بالبيئة عالميا, إلى جانب أن الدول المطلة على البحار و المحيطات تضع ضمن استراتيجيتها الحفاظ على البيئة البحرية، و المغرب بحكم امتداد سواحله التي تتجاوز 3500 كلم من كلا الواجهتين وضع ضمن مخططاته الحرص على الحفاظ على المخزون السمكي عن طريق حماية الوسط البحري الذي تتواجد فيه الأسماك بوفرة و تم وضع آليات و برمجة مخططات من شأنها أن تحد من تدهور المجال البيئي البحري الذي يعتبر مجالا خصبا لنمو الأحياء المائية، لكن مع الأسف هذه البرامج تكون عامة و تحتاج إلى تفصيل كثير ليتم تنزيلها و مواءمتها مع الواقع، و في هذا الإطار لا بد من التفكير جديا في التعاطي مع حماية البيئة بالنظر إلى نوعية الصيد الممارس و آثاره و أبعاده المستقبلية، فعلاقة العاملين و المستثمرين في الصيد التقليدي بالبيئة البحرية تختلف عن علاقة مختلف قطاعات الصيد الأخرى بهذه البيئة و التي من المفترض أن يتعاون الجميع كل من موقعه و حسب إمكاناته لحماية مورد مهم تعتمد عليه أجيال المستقبل، و من هذا المنطلق فإننا نطرح سؤالا عريضا حول مدى مساهمة شركات الصيد بأعالي البحار في الحفاظ على البيئة البحرية، فإنه من الغبن أن يستفيد هؤلاء من خيرات البحر التي تدر أرباحا بالملايين دون أن يساهموا بشكل جدي و فعال في برامج حماية البيئة التي تشكل ضمان لاستمرارية هذه الإستثمارات و ديمومتها و تطورها، بل إن التأثير المباشر لبواخر الصيد بالجر على البيئة أكثر من أن يوصف، و ذلك لضخامة وسائل الصيد من شباك و حبال حديدية تكون معرضة في كل لحظة لفقدانها و بقائها في القعر بحسب طبيعته الصخرية و قدم و سائل الصيد، و من هنا تأتي مسؤولية الربان الحاضر الغائب في جميع مخططات الوزارة الوصية، و الفاعل المباشر الذي يعتبر الركيزة الأساسية في تنفيذ برامج حماية الوسط البحري من التلوث، لذلك من الضروري فتح قنوات التواصل مع ربابنة البواخر و إشراكهم في التفكير من أجل خلق مبادرات تساهم في وضع آليات لصيد عقلاني يحترم البيئة البحرية و يحد من التلوث، السبب المباشر لتدمير البيئة البحرية.
إن الربابنة المغاربة متفهمون لعظم المسؤولية الملقاة على عاتقهم تجاه الوسط البحري الذي يعتبر مورد رزقهم، لكن وضعيتهم كأجراء داخل شركات الصيد لا تسمح لهم إلا بمزاولة ما يمليه ضميرهم المهني في حدود ما تسمح به الشركات المالكة للبواخر، لذلك تأتي ضرورة إلزام الشركات قانونيا بالمساهمة في إنجاح آليات حماية و تطهير البيئة و إفساح المجال للربان ليتخذ الإحتياطات و التدابير التي يراها ملائمة للحد من التلوث. و هناك مبادرات لبعض الربابنة بين الفينة و الأخرى لجمع بقايا الشباك و الحبال التي تسكن القعر و لم تعد صالحة للإستعمال ، و تطهير القعر من آنيات صيد الأخطبوط البلاستيكية و التي تستعملها قوارب الصيد التقليدي لما لها من ضرر كبير على أنثى الأخطبوط، حيث تتخذها وكرا لوضع مآت الآلاف من بيضاتها تكون معرضة كلها للتلف بعد اصطيادها من طرف بواخر الصيد بالجر.
إن على شركات الصيد بأعالي البحار بحكم قدم أساطيلها التي تجاوزت في معظمها العشرين سنة أن تتحمل مسؤولياتها في إصلاح البواخر و الحد من تسربات الزيوت و الوقود في عرض البحر إضافة إلى إلزامية الحث على جمع النفايات التي تخلفها أطقم البواخر و إدخالها إلى اليابسة ليعاد تدويرها و استغلالها.
و الأخطر من كل ذلك هو المسؤولية القانونية التي يتحملها مديرو بعض الشركات الذين تسببوا في غرق بعض البواخر لما لذلك من أثر كبير في تدمير البيئة البحرية خصوصا و أن البواخر تكون محملة بمئات الأطنان من الزيوت و الوقود و أماكن الغرق تكون معروفة بوفرة الأسماك و الرخويات ، كما وقع للباخرة مسيد التابعة لشركة UMEP قبل ثلاث أشهر. و معلوم للجميع كيفية خروج الباخرة بعد استبدال ربانها بربان آخر، و هنا تطرح كذلك مسؤولية وزارة الفلاحة و الصيد البحري التي لم تفتح تحقيقا في المسألة و كأن البيئة البحرية لا تعنيها من قريب و لا من بعيد، و كأن شركات الصيد المستفيدة من الرخص فوق القانون و فوق المحاسبة و يمكن أن تعبث بالبيئة البحرية كيف شاءت و متى شاءت، الشيء الذي يضرب مصداقية الوزارة و مخططاتها في الصميم، ونستثني من ذلك غرق البواخر الناتج عن قوة قاهرة لا مجال للسيطرة عليها و التحكم فيها، أما و أن تكون مسؤولية الغرق واضحة للعيان فإن ذلك يعني أن البحر أصبح مملوكا للبعض يفسدون فيه كيفما شاءوا دون حسيب و لا رقيب، و الخلاصة أن على الدولة تتحمل مسؤولياتها تجاه الوسط البحري و أن تسن قوانين صارمة و واضحة تساهم مع الفاعلين المباشرين و غير المباشرين في الحد من التلوث و الحماية الفعالة للبيئة البحرية التي تعتبر أهم ركائز الإقتصاد الوطني و أهم احتياط غدائي تعتمد عليه أجيال المستقبل. و تعاقب الذين يتهاونون و يتسببون في تدمير البيئة البحرية بدون مراعات الأثر السلبي و الخطير على مخزوننا السمكي.






















































































