لقد بات إصلاح قطاع الصيد البحري بالمغرب قضية سيادية ترتبط مباشرة بالأمن الغذائي، والتنمية الترابية، والاقتصاد الأزرق، والاستقرار الاجتماعي متجاوزا طبيعته كمطلب مهني أو اقتصادي .
فالتحولات العميقة التي يشهدها العالم، من تغيرات مناخية متسارعة، واضطرابات جيوسياسية، وأزمات صحية واقتصادية، إلى جانب التطور التكنولوجي والرقمنة والذكاء الاصطناعي، فرضت إعادة تعريف مفهوم الأمن الغذائي، وجعلت من حسن تدبير الموارد الطبيعية إحدى ركائز الأمن القومي للدول.
وفي هذا السياق، تكتسي الثروة البحرية المغربية أهمية استراتيجية استثنائية. فبالضافة الى كونها مورداً اقتصادياً أو مصدراً للعملة الصعبة، فهي رصيد سيادي، وركيزة للأمن الغذائي، وأحد أهم مقومات الاقتصاد الأزرق الذي تراهن عليه المملكة في العقود المقبلة.
وقد شكل دستور المملكة لسنة 2011 نقطة تحول نوعية عندما جعل من الجهوية المتقدمة خياراً استراتيجياً للدولة، يقوم على مبادئ التدبير الحر، والتضامن، والتعاون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقريب القرار من المواطن. كما أكدت التوجيهات الملكية السامية في مناسبات عديدة أن الجهوية هي مشروع مجتمعي يروم إعادة توزيع التنمية، وتحقيق العدالة المجالية، وتمكين الجهات من المساهمة الفعلية في صناعة القرار العمومي .
وانطلاقاً من هذه الرؤية، يطرح اليوم سؤال جوهري: هل ما يزال النموذج الحالي لتدبير قطاع الصيد البحري قادراً على مواكبة التحولات التي يعرفها المغرب والعالم، أم أن المرحلة تستدعي الانتقال إلى جيل جديد من الحكامة البحرية يقوم على الجهوية المتقدمة؟
لقد أسهمت الاستراتيجيات التي اعتمدها المغرب منذ مطلع الألفية، وفي مقدمتها استراتيجية “أليوتيس”، في تحديث جزء مهم من البنيات التحتية، وتأهيل الموانئ، وتطوير منظومة التثمين، وتعزيز الصادرات، وتحسين تنافسية القطاع. ولا يمكن إنكار ما تحقق من مكتسبات خلال هذه المرحلة. غير أن نجاح أي سياسة عمومية لا يقاس فقط بما حققته عند إطلاقها، وإنما بقدرتها على التكيف مع التحولات الجديدة. فبعد أكثر من عقدين، تغيرت الظروف التي صيغت فيها تلك السياسات؛ فقد تغير المناخ، وتراجعت بعض المخزونات السمكية، وارتفعت تكاليف الإنتاج والمعيشة، وتبدلت أنماط الاستثمار، وظهرت متطلبات جديدة مرتبطة بالاستدامة، والاقتصاد الأزرق، والسيادة الغذائية، والرقمنة، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي.
كما أن عدداً من مخططات تهيئة المصايد والآليات التنظيمية وُضع في سياقات بيئية واقتصادية مختلفة، واستمر تطبيقها دون مراجعة دورية شاملة تأخذ بعين الاعتبار التحولات المتسارعة التي يعرفها القطاع. والإشكال اليوم لا يكمن في غياب السياسات، وإنما في اتساع الفجوة بين واقع البحر ومتطلبات التدبير، وبين سرعة التحولات وبطء تحديث المنظومة القانونية والمؤسساتية.
إن المغرب لا يتوفر على بحر واحد، بل على منظومات بحرية متعددة تختلف في خصائصها البيئية والإيكولوجية والديموغرافية والثقافية والاقتصادية. فالواجهة المتوسطية لها خصوصياتها البيولوجية، والأطلسية الشمالية لها منظومتها الإنتاجية، والساحل الأطلسي الأوسط يتميز بخصائصه الصناعية واللوجستية، بينما تمثل الأقاليم الجنوبية خزاناً استراتيجياً للموارد البحرية، بخصوصياته البيئية والاستثمارية والاجتماعية.
كما أن لكل جهة مواسمها، وأنواعها السمكية، وبنيتها الاقتصادية، ونسيجها الاجتماعي، ورأسمالها البشري، وثقافتها البحرية، وتحدياتها التنموية. ومن ثم، فإن اعتماد نموذج موحد لتدبير قطاع بهذا الحجم من التنوع يحد، بطبيعته، من قدرة السياسات العمومية على الاستجابة الدقيقة لاحتياجات كل مجال ترابي.
ويزداد هذا التحدي بالنظر إلى محدودية الإمكانات البشرية والإدارية المتاحة، واتساع الساحل الوطني، وتعدد الموانئ، وتعقد مهام المراقبة والبحث العلمي والتكوين والاستثمار، وهي كلها مؤشرات تؤكد أن الإدارة المركزية، مهما بلغت كفاءتها، لم تعد قادرة وحدها على مواكبة جميع التحولات الميدانية بالسرعة والفعالية المطلوبتين.
كما أفرزت التجربة محدودية النموذج الحالي للتدبير التشاركي. فعلى الرغم من الدور التاريخي لغرف الصيد البحري في تمثيل المهنيين، فإن طبيعة اختصاصاتها الاستشارية، وعدم تطورها بالوتيرة نفسها التي عرفها القطاع، جعلا تأثيرها في صياغة السياسات العمومية محدوداً.
وفي المقابل، شهد القطاع توسعاً كبيراً في عدد الجمعيات والاتحادات والكونفدراليات والتنظيمات المهنية، باختلاف تسمياتها واختصاصاتها، في محاولة لملء الفراغ المؤسساتي. غير أن هذا التعدد، رغم ما يعكسه من حيوية، لم ينتج قوة اقتراحية موازية، بل أدى في كثير من الأحيان إلى تشتت التمثيلية، وتداخل الاختصاصات، وتضارب الأولويات، وتغليب المصالح الفئوية أو القطاعية على الرؤية الاستراتيجية الجامعة.
كما أظهرت التجربة أن النقاش الوطني، بحكم طبيعته، لا يمنح دائماً المساحة الكافية للتعبير عن الخصوصيات المحلية، فتذوب قضايا الجهات داخل أجندة وطنية واسعة، ويختلط صوت الصيد التقليدي بالساحلي وبأعالي البحار، كما تتداخل مصالح المستثمر المحلي مع المستثمر العابر، وتختفي خصوصيات كل مجال ترابي داخل مقاربات موحدة لا تستجيب دائماً للواقع الميداني.
ومن هنا، فإن الإشكال لم يعد يتعلق بعدد الهيئات المهنية، بل بغياب إطار مؤسساتي جهوي قادر على توحيد الرؤى، وتنسيق المصالح، وربط القرار العمومي بالمعرفة الترابية الدقيقة.
إن الجهوية البحرية المتقدمة لا تعني تفكيك وحدة الدولة أو المساس بالاختصاصات السيادية للإدارة المركزية، بل تقوم على توزيع ذكي ومتوازن للاختصاصات. فالمركز يحتفظ بوظائفه السيادية، من قبيل التشريع، والسياسات الوطنية، والعلاقات الدولية، وتدبير الاتفاقيات البحرية، وحماية المصالح العليا للمملكة، بينما تتولى الجهات، في إطار تعاقد مؤسساتي واضح، تدبير الجوانب المرتبطة بخصوصياتها البيئية والاقتصادية والاجتماعية.
فالجهة هي المجال الذي تتقاطع داخله السلطة الترابية، والمجالس المنتخبة، وغرف الصيد، والمهنيون، والجامعات، ومراكز البحث، والمستثمرون، والمجتمع المدني، وهو ما يجعلها الفضاء الأنسب لإنتاج المعرفة الترابية وصناعة القرار العمومي القريب من الواقع.
ومن هذا المنطلق، يبرز التفكير في إحداث مجالس جهوية للشؤون البحرية والاقتصاد الأزرق، أو تطوير آليات الحكامة الترابية القائمة بما يحقق الغاية نفسها، باعتباره أحد المداخل العملية لإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والجهات والفاعلين، وتجاوز حالة التشتت المؤسساتي التي يعرفها القطاع.
ولن يقتصر أثر هذا التحول على تحسين كفاءة التدبير، بل سيمتد إلى بناء علاقة جديدة بين الإنسان والبحر. فكلما ارتبطت الثروة البحرية بالتنمية المحلية، وشعرت الساكنة بأن عائداتها تنعكس على البنيات التحتية، والتعليم، والصحة، وفرص الشغل، تعزز الإحساس بالانتماء إلى المجال البحري، وأصبح الحفاظ على موارده مسؤولية جماعية وليست مجرد التزام قانوني.
فالاستدامة لا تتحقق فقط بسن القوانين أو تشديد المراقبة، وإنما ببناء وعي جماعي يعتبر المخزون السمكي رأسمالاً ترابياً مشتركاً، يضمن استمرارية التنمية للأجيال المقبلة. وعندما يشعر البحار، والمستثمر، والجماعة الترابية، والجامعة، والمجتمع المدني، بأن مستقبلهم الاقتصادي مرتبط مباشرة بصحة المنظومة البحرية، فإن حماية البيئة تصبح ثقافة وسلوكاً يومياً قبل أن تكون إجراءً إدارياً.
كما أن هذا النموذج سيفتح المجال أمام تنافس إيجابي بين الجهات الساحلية، ليس على استقطاب الامتيازات من المركز، وإنما على تحسين مؤشرات الاستدامة، ورفع القيمة المضافة، وتطوير البحث العلمي، وتعزيز جاذبية الاستثمار، وخلق فرص الشغل، والارتقاء بجودة الحكامة.
إن مستقبل قطاع الصيد البحري لن يبنى بإعادة إنتاج النماذج نفسها، ولا بالاكتفاء بإصلاحات جزئية، وإنما بالانتقال من منطق تدبير المصايد إلى منطق حكامة الاقتصاد البحري، ومن مركزية القرار إلى شراكة ترابية مسؤولة، ومن إدارة الموارد إلى بناء سيادة غذائية بحرية مستدامة.
فالجهوية البحرية ليست مطلباً تنظيمياً، بل مشروعاً وطنياً لتجديد الحكامة، وتعزيز العدالة المجالية، وتثمين الرأسمال البشري، وحماية الثروة البحرية، وترسيخ روح الانتماء والمسؤولية المشتركة تجاه هذا الإرث الوطني.
إن البحر كان دائماً أحد مصادر قوة المغرب، وسيظل كذلك إذا نجحنا في الانتقال من تدبيره كقطاع إداري إلى اعتباره فضاءً سيادياً للتنمية، ومجالاً لبناء اقتصاد أزرق متوازن، يجعل من كل جهة ساحلية شريكاً في صناعة المستقبل، في إطار وحدة الدولة، واحترام الدستور، وتجسيد الرؤية الملكية لمغرب الجهات والتنمية المستدامة.
كتبها للمغرب الأزرق الاستاذ حاميد حليم
∗المستشار في الاعلام البحري و التواصل.
∗عضو المرصد الاعلامي للصيد المستدم بافريقيا OMPDA





















































































