المغرب الأزرق
رانيا مرزوق حسن باحثة متخصصة في الشؤون الاقتصادية

دفعت الأزمات العالمية الممتدة خلال العقود الماضية إلى الاهتمام بتقديم تحليل معمق ومراجعة دقيقة للنماذج الاقتصادية الحالية، بهدف التماس مسارات للتنمية المستدامة للحد من الفقر وزيادة الرفاهية البشرية.
كان من نتائج الاهتمام بالبحث عن مسارات جديدة للتنمية المستدامة، ظهور مفهوم “الاقتصاد الأزرق Blue Economy” في أعقاب مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة “ريو + 20” عام 2012. ويؤكد المفهوم أهمية الإدارة المستدامة للموارد المائية، استناداً إلى فرضية أن النظم الإيكولوجية* السليمة للمحيطات هي الأكثر إنتاجية، وهي ضرورية من أجل استدامة الاقتصادات القائمة على المحيطات. ويعمل الاقتصاد الأزرق كمحفز لتطوير السياسات والاستثمار والابتكار في دعم الأمن الغذائي، والحد من الفقر والإدارة المستدامة للموارد المائية، وذلك عن طريق تربية الأحياء المائية، وتعزيز السياسات والممارسات الجيدة لاستزراع السمك والمحار والنباتات البحرية بصورة مسؤولة ومستدامة، بالإضافة إلى توفير خدمات النظام الإيكولوجي الذي يستهدف تعزيز النظم الرقابية وآليات استعادة الموائل الحيوية الساحلية والتنوع البيولوجي وخدمات النظام الأيكولوجي.
وانطلاقاً مما سبق، تهدف هذه الدراسة إلى التعرف على مفهوم الاقتصاد الأزرق وأهميته ومجالات الأنشطة المرتبطة به، بالإضافة إلى تناول أهم مصادر تهديد هذا الاقتصاد، فضلاً عن التركيز على أهم التجارب الدولية في هذا المجال.
أولاً: ماهية الاقتصاد الأزرق
يعد بروز مفهوم الاقتصاد الأزرق نقلة نوعية مهمة من الاعتقاد السائد تقليدياً بأن حماية وإدارة البيئة عملية منفصلة عن التنمية الاقتصادية، والتأكيد على حقيقة أن التنمية المستقبلية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالاعتبارات البيئية والاجتماعية، وقد ابتكر المفهوم رجل الاقتصاد البلجيكي جانتر بولي، الذي تخرج من كلية أنسياد لإدارة الأعمال (INSEAD)، في كتابه المعنون “الاقتصاد الأزرق: 10 سنوات، 100 ابتكار، 100 مليون فرصة وظيفية”، سعى من خلاله لتقديم عدة ابتكارات بيئية تخدم اقتصاد السوق، نظراً لانخفاض أسعارها وربحيتها للشركات، وفي الوقت نفسه، لا تترتب عليها تداعيات بيئية سلبية، بل وتتميز عن التكنولوجيات الصديقة للبيئة بأنها أقل تكلفة، وعائداتها الاقتصادية سريعة.
ثانياً: الاقتصاد الأزرق .. مؤشرات ودلائل اقتصادية
تتعدد المؤشرات والمعايير الكمية التي يمكن الاستناد إليها في تحديد أهمية الاقتصاد الأرزق، حيث يأتي في مقدمة هذه المؤشرات ما يلي:
• توفر مصائد الأسماك وتربية الأحياء المائية %17 من البروتين الحيواني العالمي للفرد، كما يُتوقع أن يتضاعف الطلب على البروتين السمكي خلال السنوات العشرين المقبلة، وذلك في الوقت الذي تقع فيه نحو %28 من الأرصدة السمكية العالمية بالفعل تحت طائلة الصيد المفرط.
• إن “المحيطات ستنهض بدور أساسي في حسم واحدة من أكبر مشكلات القرن الحادي والعشرين، وهي مشكلة الأمن الغذائي، حيث يعاني أكثر من 800 مليون شخص في العالم حالياً سوء التغذية المزمن، ومن المتوقع أن ينمو عدد سكان العالم بمقدار ملياري شخص ليصل إلى 9.6 مليار نسمة بحلول عام 2050”.
• إن %80 من جميع أشكال الحياة على كوكب الأرض تقطن المحيطات.
• توفر المحيطات نصف الأوكسجين لكوكب الأرض.
• تستطيع النظم البيئية الساحلية (غابات المنغروف، الأعشاب البحرية، الموائل الأخرى للغطاء النباتي في المحيطات)، امتصاص كمية كبيرة من الكربون تصل إلى خمسة أضعاف الكمية التي تمتصها الغابات الاستوائية.
• إن 13 من 20 من المدن الكبرى في العالم تقع على طول السواحل.
وتبدو أهمية الاقتصاد الأزرق أكثر وضوحاً في تحديد الأنشطة الاقتصادية المرتبطة به، وما تساهم به من فرص للتنمية، حيث تتراوح قيمة النشاط الاقتصادي للمحيطات والبحار عالمياً ما بين 3 – 5 تريليونات دولار، وتتمثل هذه الأنشطة في الآتي:
• الشحن وتسهيلات الموانئ: يمر نحو %80 من حجم التجارة العالمية، وبما يمثل %70 من قيمتها عبر البحار والموانئ العالمية.
• مصائد الأسماك وتربية الأحياء المائية: يعتمد 10 – %12 من سكان العالم على مصائد الأسماك وتربية الأحياء المائية للكسب، فهناك ما يقرب من 58.3 مليون شخص يعملون في المجالات الأولية المرتبطة بمصائد الأسماك والاستزراع المائي في مصائد الأسماك الصغرى. ويستطيع هذا النشاط توفير نحو 350 مليون فرصة عمل، بالإضافة إلى أن المكاسب الاقتصادية المحتملة من استعادة الأرصدة السمكية تقدر بنحو 50 مليار دولار سنوياً.
• السياحة الشاطئية أو الساحلية: ترتبط غالبية أنشطة السياحة العالمية وتتركز في المناطق الساحلية، وشهدت أعداد السائحين الذين يستخدمون السفن واليخوت البحرية نمواً ملحوظاً ليسجل 16 مليون سائح في عام 2011.
• الطـــاقة: يجري استخراج أكثر من %30 من النفط والغاز المنتج عالمياً من البحر، كما أن المحيطات يمكن أن توفر مصدراً متجدداً للطاقة من خلال استخدام التكنولوجيات الحديثة لتوليد الطاقة من الرياح والأمواج بما يساهم في توليد طاقة تقدر بـ 175 جيجاوات بحلول عام 2035 مقارنة بـ 6 جيجاوات في عام 2012.
• التكنولوجيا البيولوجية: تساهم منتجات التكنولوجيا البيولوجية البحرية في الأسواق العالمية بما يقدر بنحو 208 مليارات دولار، ومن المتوقع زيادتها بحلول عام 2017 لتصل إلى 4.6 مليار دولار.
• أنشطة التعدين البحرية: إذ تتوفر في قاع المحيطات والبحار المعادن المهمة المستخدمة في صناعة تكنولوجيات الطاقة المتجددة.
من ناحية أخرى، تتجلى أهمية الاقتصاد الأزرق لبعض الأقاليم الساحلية العالمية في الآتي:
• أوروبا: يمتلك الاقتصاد الأزرق القدرة على انتشال بلدانه من حالة الركود الاقتصادي، حيث تقدر قيمة إنتاج الاقتصاد البحري في أوروبا بحوالي 574 مليار دولار أمريكي، وربما أكثر، إذا تم استغلال الموارد البحرية بصورة مستدامة من خلال “استثمارات خضراء صديقة للبيئة”، كما أنها ستساهم في إيجاد فرص عمل مهمة، وتساهم في تحقيق الانتعاش الاقتصادي.
• منطقة المثلث المرجاني بين إندونيسيا وماليزيا وبابوا غينيا الجديدة والفلبين وجزر سليمان وتيمور الشرقية: يشتمل هذا المثلث على بعض أغنى مصادر التنوع البيولوجي على كوكب الأرض، أو ما يعادل غابات الأمازون المطيرة، ومن ذلك %76 من كل الأنواع المرجانية المعروفة وأكثر من 3000 من أنواع الأسماك، مع اعتماد زهاء 120 مليون شخص في المنطقة اعتماداً مباشراً على الموارد البحرية في الحصول على الدخل وكسب الرزق والغذاء، وتُقدَّر قيمة المصايد المرتبطة بالشعب المرجانية في إندونيسيا والفلبين وحدهما بنحو 2.2 مليار دولار سنوياً، وقيمة السياحة المرتبطة بالشعب المرجانية بنحو 258 مليون دولار سنوياً.
• منطقة جزر المحيط الهادي: تضم عدداً من الدول الجزرية النامية الصغيرة، وتقدم ثلث إنتاج العالم من التونا أو ما تزيد قيمته عن 4 مليارات دولار.
• إقليم غرب أفريقيا من موريتانيا إلى غانا: ينتج 1.6 مليون طن من الأسماك سنوياً، ما يمثل أهم مورد للرزق لنحو 3.2 مليون شخص، وبما يشكل %10 على الأقل من إجمالي الناتج المحلي في كل من غينيا وبيساو وسيراليون. كما توفر الأسماك ما يزيد عن %40 من البروتين الحيواني للسكان في جامبيا وغانا وغينيا والسنغال وسيراليون.
ثالثاً: تجـــــارب دولية متميزة
قامت بعض الدول الساحلية بالتخطيط للتنمية الاقتصادية، آخذة في الاعتبار ضرورة استغلال موارد الاقتصاد الأزرق، ولذلك تتجلى أهمية إلقاء الضوء على هذه التجارب، وذلك على النحو الآتي:
• المغرب: اعتمدت المغرب مخططاً لتنمية السياحة بحلول 2020، ويهدف لمضاعفة عدد السياح ليبلغ 20 مليون سائح، فضلاً عن مضاعفة مساهمة القطاع السياحي في الناتج المحلي الإجمالي ثلاث مرات، وتحسين مرتبة المغرب ضمن الوجهات السياحية العالمية من المرتبة 27 حالياً إلى المرتبة 20 في سنة 2020. وتتكون الخطة الجديدة من عدة برامج كبرى، هي: برنامج “المخطط الأزرق 2020″، الذي يهدف إلى إنشاء ستة منتجعات سياحية شاطئية تعتمد النظم الحديثة، التي تدعم برنامج تطوير السياحة البيئية، كذلك برنامج تطوير سياحة الثقافة والتراث، وبرنامج تطوير سياحة الأعمال، وبرنامج تطوير السياحة الداخلية. وتقدر الكلفة الاستثمارية للخطة الجديدة بنحو 150 مليار درهم (17.7 مليار دولار) بحلول 2020. ولدعم هذه الخطة وتوفير التمويل اللازم لتحقيق مشاريعها تأسس “الصندوق المغربي لتنمية السياحة” برأسمال أولي قدره 1.5 مليار درهم (177 مليون دولار).
رابعاً: مصادر تهديد موارد الاقتصاد الأزرق
لم تلق المسطحات المائية وما يصيب السواحل أو المساحة المغمورة بالمياه التي تبلغ %71 من سطح الكوكب، اهتماماً حقيقياً من حيث الحفاظ عليها، بل إنه في حال إهمالها يمكن أن تتعرض لتهديدات جمة يمكن تحديد أهمها في الآتي:
• الصيد الجائر: أدت التطورات التكنولوجية، إلى جانب حرية وسهولة الوصول إلى الأرصدة السمكية، إلى الإفراط في استغلال نحو ثلث الثروة السمكية للمحيطات. وتشير التقديرات إلى أن قدرات الصيد تطورت، حيث زادت بنحو 2.5 مرة عن مستويات التجدد في الثروة السمكية. قدر البنك الدولي في عام 2009 أن الكميات المفقودة من المنافع الاقتصادية المحتملة من المصائد البحرية في سنة واحدة يصل إلى نحو 50 مليار دولار.
• التلوث: زاد استخدام الأسمدة النيتروجينية خمسة أضعاف منذ عام 1960، يتسرب منها نحو 50 في المائة إلى البيئة، ويصل في نهاية المطاف إلى المحيطات، وهو ما يؤدي إلى تكاثر الطحالب التي تستهلك معظم الأكسجين في المياه. وكان لهذا تأثيرات سلبية على الحياة البحرية، وأدى لوجود “مناطق ميتة”. وفي الوقت الحالي يوجد ما يقدر بنحو 405 مناطق ميتة بالمحيطات في سائر أنحاء العالم، تغطي 246 ألف كيلومتر مربع.
• فقدان أو تغيير الموائل: تشهد المحيطات بعضاً من أسرع التغيرات البيئية على كوكب الأرض، حيث أزيل ما يقدر بنحو 35 في المائة من الأراضي المزروعة بأشجار المنغروف في البلدان التي تحتفظ ببيانات بهذا الشأن أو تم تحويلها إلى زراعات أخرى في الفترة من 1985 إلى 2005، وتعرض 20 في المائة على الأقل من الشعاب المرجانية على مستوى العالم للتدمير في العقود القليلة الماضية، بينما تدهورت 20 في المائة أخرى.
• تغير المناخ وزيادة حمضية المحيطات: خلال العقود والقرون المقبلة، ستزيد الضغوط على سلامة المحيطات بسبب ارتفاع درجة حرارة مياه البحار، وزيادة حمضيتها، وتراجع معدل الأكسجين في المحيطات نتيجة تغيرات عديدة، وتبييض المرجان، بسبب زيادة درجات حرارة المحيطات، ما يؤثر بالفعل على مساحات شاسعة من الشعاب المرجانية المدارية، التي تمثل موئلاً لنحو 25 في المائة من التنوع الحيوي البحري.
• القرصنة والسطو المسلح: تعاني المحيطات والبحار أيضاً الأنشطة الإجرامية، فعمليات القرصنة والسطو المسلح التي تستهدف السفن تهدد أرواح البحارة وسلامة النقل البحري الدولي، الذي يكفل نقل 90 في المائة من السلع في العالم.
أدت مصادر التهديد سالفة الذكر إلى أن أصبح واحد من بين كل 5 من جميع فصائل الأسماك مهدداً بالانقراض، و%60 من مناطق الصيد في العالم والنظم البيئية تعاني استنزافاً مفرطاً، وانخفضت كميات الشعاب المرجانية إلى درجة كبيرة، وهناك اليوم أكثر من 500 منطقة ميتة لا يتوفر فيها الأوكسجين في الماء بسبب كثرة استخدام الأسمدة الصناعية، وهناك فقط %1 من المحيطات محمية رسمياً بموجب القانون. ومن المتوقع أن يكون لارتفاع درجات حرارة مياه البحر، وتحمضّ المحيطات والصيد الجائر والتلوث القادم من اليابسة، والحفر والتجريف وإلقاء النفايات، تأثير كبير على هذا النظام الحيوي.
وبصفة عامة، يمكن القول إن الأنشطة البشرية تلحق بالفعل ضرراً فادحاً بالمحيطات والبحار في العالم. فالنظم الإيكولوجية البحرية الهشة، مثل الشعاب المرجانية، ومصائد الأسماك المهمة تتضرر بفعل الاستغلال المفرط والصيد غير المشروع وغير المبلغ عنه وغير المنظم وممارسات الصيد المدمرة، وجلب أنواع غريبة دخيلة، والتلوث البحري، خاصة من المصادر البرية. ويشكل تزايد حرارة البحار، وارتفاع مستواها، وتحمض المحيطات بفعل تغير المناخ أخطاراً أخرى تهدد الحياة البحرية، والمجتمعات الساحلية والجزرية والاقتصادات الوطنية.
الخلاصة
وختاماً يمكن القول إن “مفهوم الاقتصاد الأزرق” لا يزال حديث الاستخدام نسبياً، خاصة في المنطقة العربية التي مازالت بحاجة إلى توجه حكوماتها إلى المزيد من تنويع مصادر الدخل وإيجاد مصادر أكثر ديمومة تساهم في النهوض بالاقتصاد الوطني وتجعله مبنياً على قاعدة متنوعة من الموارد. ويُعتقد أن نقطة البدء في إيجاد هذا التوجه تتمثل في:
– إبرام اتفاقية عربية جديدة تضم الدول العربية الساحلية انطلاقاً من رؤية اقتصادية عربية مشتركة للاقتصاد الأزرق، وتهدف إلى تعزيز الشراكات العربية المتعلقة بأنشطة الاقتصاد الأزرق، وتعميق التعاون فيما بين الهيئات العربية المعنية بإدارة الموارد البحرية وصنع وتنفيذ السياسات المرتبطة بها.
– إنشاء تجمع عربي إقليمي يضم الدول العربية الساحلية، ليصبح منبراً لتحليل وصنع وتنفيذ السياسات التي تعظم من استغلال الامكانيات التي يوفرها الاقتصاد الأزرق في الوطن العربي، وما يمكن أن يترتب على ذلك من تحقيق تنمية مستدامة لشعوب تلك الدول، فضمان الأمان والسلامة والإنتاج في البحار والمحيطات جزء لا يتجزأ من الجهود الرامية إلى تحقيق رفاه البشر والأمن الاقتصادي والتنمية المستدامة.
– تصميم خريطة استثمارية تحدد الفرص التي يتيحها الاقتصاد الأزرق في المنطقة العربية والترويج لتلك الفرص في مجتمعات الأعمال إقليمياً وعالمياً، سعياً لتحويل تلك الفرص إلى مشروعات تساهم في تحقيق التنمية المنشودة.
– بناء وتقاسم قاعدة للمعارف العلمية فيما يتعلق بالإدارة المستدامة للمحيطات والبحار والموارد البحرية وحماية سكان المناطق الساحلية والحفاظ على خدمات النظم الإيكولوجية، وذلك من خلال تشجيع تبادل تلك المعارف فيما بين الجامعات والمراكز البحثية المعنية في الدول العربية.
– فتح قنوات الاتصال وتعميق الروابط مع المنظمات الدولية المعنية بحماية البيئة البحرية، مثل برنامج الأمم المتحدة للبيئة ومنظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي والبنك الدولي والمنظمة البحرية الدولية (IMO)، بهدف دعم ممارسات الإدارة الجيدة للموارد البحرية بالدول الساحلية، بما يساعد في الاستفادة من الخبرات الدولية لتعزيز أوجه التآزر بين السياسات وفرص الاستثمار من جانب وتوفير الأمن والسلامة وحماية البيئة والنمو الأزرق من جانب آخر في المنطقة العربية، بما يحقق متطلبات النمو المستدام.
























































































