المغرب الأزرق
يَعْرِض مِتزجَر وآخرون في بحث لهم ـ نُشر في دورية Nature في العدد 534 ـ اكتشافًا، مفاده أن السرطانات المُعدِيَة منتشرة انتشارًا واسعًا بين مجموعة من الأصداف البحرية المعروفة باسم ثنائية المصراع، وأن مثل هذه السرطانات تستطيع حتى أن تقفز بين الأنواع. إن هذه الاكتشافات تشير إلى أن الخلايا السرطانية هي عناصر مُعْدِيَةٌ شائعة في البيئات البحرية، كما أنها تتحدى فهْمنا لطبيعة السرطان، وتفاعله مع عوائله.
يَحْدُث السرطان عندما تكتسب خليةٌ واحدةٌ في الجسم تَغَيُّراتٍ جينيةً تقود إلى تكاثر غير ملائم. وبمجرد بدئه، يتطور السرطان بالانتخاب الطبيعي، منتِجًا ـ في الغالب ـ سلالاتٍ من الخلايا، تنتشر عبر جسم العائل بعملية تسمى “نقيلة”، غير أن السرطان لا ينتشر عادة خارج حدود الجسم المصاب. وحتى الآن، كانت مثل هذه السرطانات المعدية ـ أي سلالات الخلايا ذات القدرة على الانتقال خلال عشيرة من الحيوان ـ تُعتبر في غاية الندرة، فقد كانت هناك أربعة أمثلة فقط معروفة في الطبيعة: اثنان يصيبان الحيوان المعروف باسم “شيطان تسمانيا”، وواحدٌ يوجد في الكلاب، وآخر في البطلينوسات ذات الصدفة اللينة. ومؤخرًا، كتب مِتزجَر وزملاؤه عن 4 أنواع من السرطانات المعدية، لم يسبق تعريفها: واحد يصيب المحارات (ميتيلاس تروسيولاس)، التي توجد في مقاطعة كولومبيا البريطانية، وواحد يصيب البطلينوسات الذهبية ذات الصدفة السِّجَّادِيَّة (بوليتيتابِس أورياس) على الساحل الأيبيري، واثنان من السرطانات المعدية، يُحتمل أنها نشأت من أصل مستقل في المحارات القَلْبِيَّة (سيراتوديرما إديول).
تسبِّب هذه السرطانات جميعُها مرضًا يشبه سرطانَ الدم في الأفراد المصابة، ويُعرف باسم الورم المُنْتَثِر، الذي تمت ملاحظته من قبل، ويتجلى في وجود وفرة من الخلايا كبيرة الحجم وغير العادية في الدورة الدموية. وتكون الحيوانات المريضة ذات سائل دورة دموية كثيف ومعتم، وتصبح أنسجتها محشوة بالخلايا السرطانية الغازِيَة. لقد تمت معرفة ميل العديد من الحيوانات ثنائية المصراع لتكوين الأورام المنتثرة منذ ستينات القرن الماضي، لكن السبب وراء هذه الحالة لم يكن مفهومًا.
أجرى مِتزجَر وزملاؤه تحليلًا وراثيًّا للسرطان وأنسجة العائل في عدة أفراد من المحار، والمحار القلبيّ، والبطلينوسات الذهبية ذات الصدفة السجادية؛ ووجدوا أنه في حالات كثيرة لا تحمل الخلايا السرطانية تشابهًا وراثيًّا مع عوائلها، لكنها ـ بدلًا من ذلك ـ كانت شديدة الشبه بالأنسجة السرطانية المأخوذة من أفراد أخرى من النوع نفسه ثنائي المصراع. وأكدت هذه الاكتشافات أن حالات كثيرة من الورم المنتشر في الحيوانات ثنائية المصراع سببها انتقال الخلايا السرطانية الحية أفقيًّا بين العوائل.
أما الاكتشاف غير المتوقع تحديدًا في العمل الذي أجراه مِتزجَر وزملاؤه، فهو أن الحمض النووي المستخلَص من الخلايا السرطانية للبطلينوسات الذهبية ذات الصدفة السجادية لم يكن متوافقًا وراثيًّا مع الحمض النووي العادي لهذا النوع، لكنه كان يدل على أن الخلايا السرطانية نشأت في نوع مختلف، هو البطلينوس ذو الصدفة البَدْرِيَّة (فينيروبِس كُرُوجاتا)، غير أن المفاجئ هو أن البطلينوسات ذات الصدفة البدرية ـ التي تتقاسم المسكن مع البطلينوسات الذهبية ذات الصدفة السجادية ـ ليس معروفًا عنها كثرة الإصابة بالورم المنتشر. ومن ثم، فربما يكون البطلينوس ذو الصدفة البدرية قد تَكَيَّفَ؛ ليقاومَ الإصابة بالسرطان المعدي، الذي نشأ أول الأمر في أحد أعضاء نوعه، ثم تمكَّن السرطان ـ رغم ذلك ـ من البقاء، عن طريق الانْغِراس في عائل من نوع جديد (شكل 1).
يبدو أن هذه الاكتشافات مجتمعةً ترسم صورةً لطبقات المحار حول العالم، التي تزخر بخلايا سرطانية مجهرية،
الشكل 1 | يمكن أن تُنْقَل خلايا السرطان بين أنواع المحار.
تواصِل الانتقال، داخل النوع الواحد، وبين الأنواع. ورغم أن آليّة انتقال السرطان تظل غامضة، فإن الطبيعة الساكنة لهذه اللافقاريات ـ التي تتغذى بالترشيح ـ تشير إلى أن الخلايا السرطانية قد تطوف خلال البيئة البحرية، وتدخل عوائلَها باختراق القنوات الهضمية، أو التنفسية. وتظل الطريقة التي تخرج بها الخلايا السرطانية من عوائلها المريضة لغزًا. ربما تكون هذه عملية سلبية، سبَّبَتها صدمة، أو افتراس، أو ربما تهاجر الخلايا السرطانية بنشاط إلى خارج الجسم، عن طريق توظيف مسارات إشارات العائل. إن فحص كثافة وحيوية خلايا ثنائيات المصراع ـ التي تعيش معيشة حرة، وتصاب ـ أو لا تصاب ـ بالأورام في البيئة البحرية الخارجية ـ سوف يكون مجالًا مشوِّقًا للدراسة المستقبلية.
ورغم أن الورم المنتشر تم رصده في كثير من أنواع الحيوانات ثنائية المصراع، فهناك دراسات سابقة وحالية تكشف أن معدل انتشاره يختلف بشدة داخل أفراد النوع الواحد، وأيضًا بين الأنواع المختلفة. ويُلَمِّحُ تبايُن معدل انتشار سرطانات الحيوانات ثنائية المصراع المُعْدِيَة، وتحديدًا داخل عشائر متمركزة، إلى وجود سباق تَسَلُّح تَطَوُّرِيّ شرس ومستمر بين المُمْرِض والعائل تحت سطح البحر. وبالرغم من عدم الدراية بأيٍّ من آليات مناعة العائل ضد السرطان، فإن إيضاحها سوف يوفر تبصرًا حول تنوع العمليات المناعية الخاصة بالسرطان، ومراوغته للجهاز المناعي، عبر الأنواع. وإضافة إلى ذلك.. ليس معروفًا كم تبلغ معدلات ظهور الأورام المنتشرة في الحيوانات ثنائية المصراع، ومن ثم فإن تعريف التغيرات الوراثية التي تميِّز بين السرطانات التي تبقى في عائل واحد، وتلك التي تصبح مُعْدِيَةً، قد يوفر معلومات قيِّمة عن آليات قابلية العدوى.
إن تحديد الجداول الزمنية والمسافات الجغرافية التي تدعم التواريخ التطورية للسرطانات المعدية في الحيوانات ثنائية المصراع سوف يوفر فهْمًا أكبر لهذه الأمراض. فمن الممكن، مثلما هو الحال في السرطان المعدي في الكلاب، أن تكون هذه السرطانات سلالات عتيقة من الخلايا التي اشتركت في النشأة مع عوائلها عبر آلاف السنين، أو قد يكون ظهورها حدثًا حديثًا نسبيًّا، ربما حفَّزته عوامل معدية، أو تغيراتٌ بيئية، أو الاستزراع المائي، أو أنشطة بشرية أخرى.
وتثير قدرة الخلايا السرطانية على أن تصبح عناصر معدية حرة المعيشة تساؤلات عن الآثار المترتبة على انتقال السرطان في البشر. ورغم أن انتقال السرطان من شخص إلى آخر، وبقاء الخلايا السرطانية في جسم المستقبِل، تم رصده أثناء نقل وزراعة الأعضاء، والحمل، والعلاجات التجريبية، والحوادث الجراحية، فإن مثل هذا التبادل للسرطان نادرٌ، ولا يتجاوز الانتقالَ بين الفردين أبدًا، غير أنه من المثير أن ما اكتُشِفَ حديثًا من وجود الخلايا الورمية في الدودة الشريطية، وانتشارها بين ناقصي المناعة من عوائلها البشرية، يدعم ما اكتشفه مِتزجَر وزملاؤه من أن السرطانات تستطيع أن تغزو أنواعًا جديدة من العوائل.
إن خطر السرطان متأصل في الكائنات متعددة الخلايا، والدافع التطوري الأساسي لهذا المرض لا يَحترِم حواجز الفرد، أو حتى حواجز النوع. وتوفر سرطانات الحيوانات ثنائية المصراع المعدية نموذجًا جديدًا لنظام بحثي، يتم فيه استكشاف انتقال السرطان، واستجابة العائل. إن فهْم مسبِّبات الأورام المنتشرة في هذه الحيوانات هو أيضًا هِبَةٌ لصناعة الاستزراع المائي، إذ يوفر فرصًا جديدة للمتابعة الحيوية للمرض، والسيطرة عليه. إن اكتشاف السرطانات المعدية واسعة الانتشار تحت سطح البحر يمثل تقدمًا تصوُّريًّا مثيرًا، ويفتح طرقًا إضافية أمام بحوث السرطان.






















































































