شكل التقطيع الانتخابي لمجلس المستشارين الخاص بغرف الصيد البحري سنة2015 ثقبا في مفهوم الممارسة الديمقراطية و اللاتمركز و الجهوية المتقدمة التي جاء بها دستور 2011 و صوت عليه عموم الشعب المغربي بمن فيهم مهنيو الصيد البحري.
و يعتبر تحجيم عدد أعضاء مجلس المستشارين من أربعة نواب ينبثقون عن كل غرفة من أصل أربع غرف، زلة تاريخية و سوء في تقدير لخصوصية قطاع الصيد البحري و طبيعة تدبيره، المستنبطة من التشاور مع مهني الصيد البحري و مجتمعات الصيد المختلفة الثقافات و المواطن، بين منطقة متوسطية شرقية و أخرى غربية، و شمالية أطلسية و أخرى وسطى ثم الجنوبية، حيث تتنوع البيئة البحرية و الأصناف السمكية، و حجم الاستغلال و الاستثمار.
و بغض النظر عن غرفتي الصيد الأطلسية الوسطى و الجنوبية المشتركتين من حيث البيئة البحرية و الاستثمارات في الصيد و ثقافة مجتمعات الصيد ، فان حالة غرفة الصيد البحري المتوسطية و الأطلسية الشمالية تعكس بجلاء افتقاد الانسجام و تضارب المصالح ، فضلا عن الاختلاف الجذري في طبيعة و جغرافية المنطقتين و ثقافة مجتمعاتها و حجم الاستثمارات…
هذا الاختزال و التحجيم في عدد نواب غرف الصيد البحري لدى مجلس المستشارين سيكون له تأثير سلبي على أداء الغرف و على التنافسية ، و يسقط الديمقراطية في فخ الديكتاتورية و الانتهازية ،كما يغلِّب المصالح الخاصة عن المصالح العامة هذه الأخيرة التي تتمظهر فقط في بعض المواقف كالبيانات و البلاغات المنددة او الداعمة للوحدة الترابية و استراتيجية اليوتيس. فيما الدور الذي يجب أن تلعبه الغرف أكبر من ذلك خصوصا مع انقضاء أكثر من عقدين من الزمن عن إحداثها (1997) حيث عرف قطاع الصيد البحري العديد من المتغيرات إن على المستوى التشريعي او التنظيمي أو الميداني و البيئي، و ظهرت في ذات الفترة عديد من القطاعات الحكومية التي تتقاطع مهامها مع الصيد البحري، و بالتالي أصبحت – و نحن في مستهل العشرية الثالثة من الألفية الثالثة- مطالبة اليوم بالتدخل أكثر في رسم سياسة الصيد البحري ودعم وتكميل الآليات التنظيمية والتقريرية لقطاع الصيد البحري على الصعيدين الوطني والجهوي والمحلي، كما أنها مطالبة اليوم كذلك بلعب دور ديبلوماسي مواز لدى الشركاء الأوروبيين والدول التي تربطها علاقات تعاون مع المغرب لدعم مواقف المغرب على جميع الأصعدة للدفاع عن المصالح العليا للبلاد في الخارج، والتصدي للهجومات المتتالية التي يشنها علينا أعداء الوحدة الترابية للمملكة .
و ليست وحدها النيابة لدى مجلس المستشارين هو ما أعطب أداء غرف الصيد البحري و قزَّم من دورها الدستوري، بل كذلك إسقاطها من المجالس المحلية و الإقليمية و الجهوية، خصوصا و أن قطاع الصيد البحري يعد من المساهمين في مالية المجالس و يلعب دورا سوسيو اقتصاديا جد مهم، ان على مستوى الاستثمار أو توفير فرص الشغل أو خلق دينامية اقتصادية. فهذا الإسقاط قطع حبل التواصل بين المسؤولين المحليين و معها قوة اقتراحية جد مهمة في حل إشكاليات عويصة ، و أسقطت معه مشاريع إنمائية و غيّب صوت شريحة مهمة من المهنيين و رجال البحر داخل هذه المجالس.
إن تواجد غرف الصيد البحري في المؤسسات العمومية الوطنية والجهوية والمحلية يعتبر أساسيا لإرساء دعائم شراكة وتعاون استراتيجي بين الطرفين ، في اطار منسجم تماما مع دستور 2011، على مستوى تمثيليتها في مجالس العمالات او الأقاليم ، و ذلك عبر تعديل القانون المتعلق بانتخاب أعضاء مجالس الجماعات الترابية الذي ألغى عضويتها في هذه المجالس من أجل ضمان مشاركة هذه المؤسسات الدستورية كأعضاء كاملي العضوية في اطار من الاتمركز يمكن قطاع الصيد البحري من لعب دوره في السياسة التنموية على المستوى المحلي والجهوي.
و لن يكتمل عقد هذه المؤسسات الا بوجود تمثيلية رجال البحر التي أصبحت تطالب أكثر من أي وقت مضى بضرورة منحها مقعدا في عضوية الغرف ما دامت شريكا في الإنتاج و هي الأقرب من “الحنطة” و البيئة البحرية و الإنتاج، بعدما حل “المهنيون الورثة” أو الملاك دون ممارسة محل الرعيل الأول من المهنيين الذين خبروا الميدان و اعتبروا البحر مورد رزق وجب المحافظة عليه، قبل المحافظة على المصالح و المواقع. فيما يرى البعض ضرورة تعديل المادة 229 من القانون رقم 97-9 بمثابة مدونة الانتخابات بمنع تسجيل ممثلي شركات الصيد البحري الغير المسجلين في عقود الجنسية ممارسين لمهنة الصيد البحري (أي مجهز مالك أو شريك لمراكب الصيد) في اللوائح الانتخابية لغرف الصيد البحري.
أما الإعاقة الحقيقية التي تحد من أداء غرف الصيد البحري و ان كانت تتوفر على موارد بشرية كافية و مؤهلة و كفأة تديرها ، فيبقى وضعها المالي المخجل، الغير كافي للقيام بفعالية ومسؤولية بدورها ، حيث أن الميزانية المرصودة لهذه المؤسسات ( 6% من عشر الباتنتا المخصص للغرف المهنية ) لا تستجيب للحاجيات الضرورية لها لا على مستوى التسيير أو التجهيز و لا الاستثمار بسبب الاتساع الكبير للمجال الترابي الذي تغطيه ، ولكونها لا تتوفر على أية ممتلكات أو تجهيزات، لكنها بالمقابل مطالبة بتمويل مشاريع مختلفة كالتعاقد مع مكاتب الدراسات وتنظيم الندوات والأيام الدراسية والقيام بدور دبلوماسي مواز للدفاع عن المصالح العليا للبلاد.
و بالتالي فعدم وضع الإمكانيات المالية الكافية رهن إشارة غرف الصيد البحري لممارسة مهامها سيفرغ هذه المؤسسات من محتواها و تتحول الى مكتب للضبط يستقبل تظلمات المهنيين في أفق حل أو تأزيم للوضع.
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم
مستشار في الاعلام البحري و التواصل,






















































































