آسفي : عبد الرحيم النبوي
لا يقتصر ميناء آسفي على كونه منشأة اقتصادية وحيوية مرتبطة بالحركة التجارية والبحرية، بل يحتضن أيضاً معالم صناعية تحولت، بفعل مرور الزمن، إلى جزء من ذاكرة المدينة وتاريخها. ومن أبرز هذه المعالم خزان الحبوب العملاق المعروف باسم “Dock-Silo”، الذي ما يزال شاهداً على مرحلة مهمة من تطور البنية التحتية المينائية والصناعية بآسفي.
وتعود فكرة إنشاء هذا الصرح إلى منتصف خمسينيات القرن الماضي، إذ انطلقت مرحلة التصميم سنة 1954، قبل أن تبدأ أشغال التنفيذ سنة 1955، فيما اكتمل إنجاز المشروع سنة 1958. وقد أُنجز المشروع بإشراف المكتب الشريف للمهن المشتركة للحبوب، في سياق توجه آنذاك نحو تطوير منشآت قادرة على استيعاب وتدبير كميات كبيرة من الحبوب داخل الموانئ المغربية.
ويتميز الـDock-Silo بهندسة وظيفية ضخمة، إذ يضم 64 خلية مخصصة لتخزين الحبوب، بطاقة استيعابية إجمالية تصل إلى نحو 24 ألف طن. كما اعتمد منذ إنشائه على آليات وتقنيات تتيح القيام بعمليتي الشحن والتفريغ بشكل آلي، بما يعكس مستوى التجهيز التقني الذي رافق تطوير المنشأة في تلك المرحلة.
ولم يكن إنشاء هذا الخزان مجرد مشروع لتخزين الحبوب، بل جاء استجابة لحاجة مرتبطة بتنظيم وتسهيل عمليات تداول الحبوب داخل الميناء، وتعزيز قدرته على استقبال وتخزين ومعالجة كميات مهمة من هذه المواد الأساسية.
ومع مرور العقود، تجاوزت قيمة الـDock-Silo وظيفته الاقتصادية الأصلية، ليصبح معلمة صناعية بارزة من معالم ميناء آسفي، وذاكرة مادية لمرحلة من تاريخ المدينة شهدت تحولات مهمة في مجال الموانئ والبنيات التحتية والتجارة.
وتمنح هندسته الضخمة وموقعه داخل المجال المينائي للمنشأة حضوراً بصرياً لافتاً، جعلها جزءاً من المشهد العام لآسفي، وخصوصاً بالنسبة لأجيال من أبناء المدينة الذين ارتبطت ذاكرتهم بالميناء ومعالمه ومنشآته الصناعية.
اليوم، يطرح حضور هذا الصرح التاريخي سؤالاً أوسع حول كيفية الحفاظ على الذاكرة الصناعية لمدينة آسفي وتثمينها، باعتبارها جزءاً من التراث المادي الذي يوثق مراحل مهمة من تطور المدينة ومينائها.
فبين جدرانه وخلاياه الـ64 تختزن ذاكرة تمتد لأكثر من ستة عقود، بينما يظل الـDock-Silo، في صورته الحالية، شاهداً على زمن كانت فيه الهندسة الصناعية جزءاً أساسياً من مسار تحديث ميناء آسفي وتعزيز دوره الاقتصادي.
إنه ليس مجرد خزان للحبوب؛ بل وثيقة عمرانية وصناعية مفتوحة على ذاكرة الميناء والمدينة، ومعلمة تستحق التوثيق والتعريف والحفاظ عليها للأجيال القادمة.




















































































