قبل حوالي أسبوع، تمكنت مصالح الأمن بميناء أكادير من اعتراض شحنة من الصيد غير القانوني كانت معدة للتهريب.
الشحنة كانت عبارة عن منتجات بحرية من حوالي 6 أطنان لا يتوفر فيها الحجم التجاري المسموح به.
يأتي ذلك في سياق تعرف فيه مصايد السمك بالمغرب و الدائرة البحرية الوسطى و الجنوبية تراجعا خطيرا في المخزون السمكي،يهدد استقرار الاستثمارات و التنمية، خصوصا منه السمك السطحي، لأسباب طبيعية و أخرى بشرية.
الستة أطنان و حسب تقارير مصالح المراقبة هي من الأسماك السطحية من صنف الأنشوفة ، لكن دون الحجم التجاري المسموح به، ليطرح السؤال الى أين كان متوجهة هذه الكمية هل للاستهلاك الآدمي و هي صغيرة الحجم ستتعرض للتلف عند التنظيف و ستفقد قيمتها و حجمها عند الطهي، أم ستحال على وحدات دقيق السمك و في جميع الأحوال ستكون صفقة خاسرة من حيث القيمة و من حيث المجهود و العبء و المردود.
خلال الأسبوع الماضي و ما قبله ، كانت “مؤسسة المغرب الأزرق” تباشر مهمتها في التحسيس بأهمية المحافظة على الثروة السمكية ميدانيا و عبر الوسائط التواصلية، بما فيها مجموعات التواصل الفوري(الواتساب)حيث تنتقل الأخبار و المعلومات كالنار في الهشيم، بالمقابل كان لربابنة الصيد و ضد القانون رأي آخر،و كأنما أخذتهم العزة بالإثم، حيث أنطلقوا في حملة الابادة الجماعية بالدائرة البحرية الوسطى و الجنوبية في حق الاسماك الصغيرة و الإناث خلال فترة الحمل .
لن نبتعد كثيرا عن جدلية الحق و الواجب اتجاه الثروة السمكية ، و نذكر بما عرفه الوسط المهني في صيد السمك السطحي من نقاش حول زيادة ثمن السردين، تحت عباءة ترقية الوضعية المهنية و الاجتماعية لرجال البحر، و الذي من المفروض أن يتعلق بشرط المحافظة على الثروة السمكية و تثمين المنتوج و التصريح به.
الشاهد من الأحداث ، أن قطاع الصيد البحري لن يستقيم على ما أراد له عاهل البلاد عندما بارك استراتيجية اليوتيس في نسختها الأولى و لا الثانية ، إلا بالتزام جميع الأطراف و تحميلها المسؤولية ، و إعادة صياغة ميثاق جديد يجعل من الثروة السمكية الوطنية رمزا من رموز السيادة و فوق كل اعتبار، و ذلك بسن قوانين و تشريعات جديدة زجرية و قطعية، و على رأسها التشطيب على المخالفين من قاىمة رجال البحر، و اعتبار الصيد غير القانوني جريمة بيئية ترقى الى مستوى جرائم الإبادة الجماعية، لما لها من أثر كبير البيئة البحرية و على سلسلة القيمة و الاقتصاد الوطني و الأمن الغذائي،و هو ما يوازيه في القانون الجنائي الكوني (الاعدام) ، عوض تغريم المجرمين بغرامات جزافية غير واضحة او محددة، يمكن للربان أن يسددها تضامنيا و على حساب جيوب البحارة (من العرام)بتواطؤ مع رب المركب و (الموحاسيييب/مول لحساب)
إن التسيب الذي يشهده قطاع الصيد البحري من حيث الإفساد المستدام ، هو تغول بعض الفاعلين بل و التطاول على القرارات الإدارية و على القوانين ، بتسخير جميع الوسائل الصلبة و الناعمة لتركيع المسؤولين.
أكثر من ذلك توريطهم في استصدار قرارات جائرة و أخرى ضد القانون، حتى فقدت الإدارة هيبتها و مصداقيتها، و تزعزعت الثقة بين مكوناتها، و تحول ممثلو وزير الصيد البحري الى “مشنفة” و تحولت المصالح الخارجية الى “مكاتب ضبط”.
الإشكال العظيم الذي أوصل قطاع الصيد البحري ببلادنا الى النفق المسدود، هو أحادية القطب و هو ما تتحمل مسؤوليته الادارة نفسها عندما راهنت على جهات بعينها لتنزيل استراتيجية اليوتيس في سباق مع 2020 ،و الوفاء بالالتزام أمام جلالة الملك، دون اعتبار لباقي المكونات و الحلقات المتعددة و المترابطة المصالح و المتشابكة، هذا فضلا عن اغفال الجانب البيئي و اسقاطه من الحسبان، حيث كشر التطرف المناخي و التغيرات في (المواسم/المنازل) و احترار مياه المحيط عن نيوبهم ليقلبوا الحسابات و الاستراتيجية رأسا على عقب، و يتحول مبدء الاستدامة الى مبد الغابة ” أنا و الطوفان من بعدي”.
فإذا كانت الاستدامة هي تدبير الموارد بشكل عقلاني حفظا لحقوق الاجيال القادمة، فإن التطرف المناخي يقول بأن على الأجيال القادمة أن تتحمل مسؤوليتها، ويقول للصيادين في الحاضر أن الحي أبقى من الميت. و هذا ما يفسر الردة على الالتزامات و استمساك المتغولين بالمكتسبات و لو على حساب مصالح الدولة.
الشاهد أن على الحكومة الوصية على قطاع الصيد البحري إعادة مراجعة أوراقها و البحث عن آليات جديدة و متجددة تواكب العصر من أجل ضمان استدامة الثروة السمكية و المحافظة على المكتسبات ، وعلى رأسها تجديد النخب و صناع القرار من أجل انتاج وعي جديد و فكر جديد، يواكب الحاضر و يستشرف المستقبل، من أجل التخلص من كماشة النخب الفاسدة و البائدة العتيقة في عقليتها و التقليدية في رؤيتها ، و الصغيرة في أفكارها ، نخب تواكب الانتقال الرقمي و الطاقي و التكنولوجيا و تكون كذلك قادرة على مواجهة التغير المناخي و تداعياته.
و عندما نقول النخب فالبداية تبدأ من الموارد البشرية بقطاع الصيد البحري ثم المؤسسات التابعة لها و منها الى المؤسسات الدستورية، و الى باقي الشركاء الاجتماعيين.
كتبها للمغرب الأزرق الاستاذ حاميد حليم
مستشار في الإعلام البحري و التواصل.






















































































