محمد كـــولال –المغرب الأزرق
على الرغم من الموقف غير الواضح والسلبي جدا ، الذي تبنته مدونة الشغل المغربية الجديدة ، لسنة 2005 ، إزاء مجموعة من الفئات المهنية ومن ضمنها فئة البحارة ، كفئة حكم عليها مع سبق الإصرار والترصد في المادة الثالثة من هذه المدونة، أن تظل خاضعة لأحكام الأنظمة الأساسية المطبقة عليها ، مع استثناء أن لا تقل هذه الأحكام عما تنص عليه مدونة الشغل ، وهو ما يفهم منه ضمنيا أنه بإمكان أي بحار أن يلجأ إلى مدونة الشغل ، كلما تبين له أن الأنظمة الأساسية المطبقة عليه ، أقل فائدة له بالمقارنة مع مدونة الشغل ، على إعتبار أن هذه المدونة تعتبر حصيلة نضالات عمالية عديدة ، توجت بتوقيع عدة إتفاقيات دولية مهمة ، كان لها الوقع الكبير والأثر الإيجابي في صياغة وبلورة وديباجة هذه المدونة ، إلا أن المشرع أهمل عن قصد أو عن غير قصد ، إدراج هذه الفئات ضمن لائحة المستفيدين من هذه المدونة ، بل وأكد إستبعادهم صراحة وفي نفس المادة السابقة في فقرة أخرى ، بالإشارة إلى أن هذه الفئات تبقى خاضعة لأحكام هذا القانون ، فقط فيما لم يرد النص عليه في الأنظمة الأساسية المطبقة عليها ، وهو ما لا ينطبق على البحارة نظرا لكونهم لا يخضعون لأي أنظمة أساسية ، بل يحتكمون إلى أعراف غير مضبوطة و متجاوزة ، تصب في مجملها ضد مصلحة ومنفعة فئة عريضة من البحارة ، في بلد يستفيد من إمتداد 3500 كلم من السواحل، موزعة على إطلالتين بحريتين أطلسية ومتوسطية ، ويعتمد في أقتصاده بشكل كبير على صادراته من الثروات البحرية ، بينما لا يزال البحار المغربي يرزأ تحت وطأة قانون يعود لسنة 1919 ،قانون لا يعبر بصدق ومصداقية عن المعانات اليومية لهذه الشريحة المضطهدة ، مع تغييب متعمد للعنصر البشري المغذي للقطاع ، وهو ما يجعل فئة البحارة خاضعة لأحكام مدونة الشغل بالضرورة ، نظرا لعدم توفر النصوص المنظمة لعلاقة الشغل ، ونزاعات الشغل الجماعية بين أرباب الشغل والبحارة أصلا ،كما لا نعلم كيف غاب عن دهن المشرع ، ما تعرفه قوانين الصيد البحري من قصور ونقصان و خصاص ؟ مما يجعل فئة البحارة بالخصوص مؤهلة للأستفادة من مدونة الشغل أكثر من غيرها ، ونحن بهذا الانتقاد لإستثناء فئة البحارة من مدونة الشغل ، لا نريد به أن يصحح المشرع خطأه بإدماج البحارة في هذه المدونة ، بقدر ما نأمل في مدونة خاصة للصيد البحري ، تراعي خصوصية عمل البحار ، والظروف البيئية التي يزاول فيها عمله ، والأخطار المعرض لها في كل وقت وحين ، في ظل إنعدام وسائل السلامة والوقاية من حوادث الشغل .
وأول ما يجب البدء به في مشروع التنظير لمدونة مستقبلية للصيد البحري ، هو محاربة كل عقود الشغل المحدودة المدة ، لإنطلاق عصر من العقود غير محددة المدة ، لتمكين البحارة من الإستفادة من العطل المبرمجة في إطار مواسم الراحة البيولوجية ، والتوقفات الطارئة بسبب سوء أحوال الطقس ، أو الناتجة عن حوادث بحرية أو أعطاب ميكانيكية أو غيرها ، وتعود أسباب إعتماد العقود المحددة المدة في قطاع الصيد البحري ، إلى العصور القديمة حيث كان البحر مرادفا للمجهول و الخطر والموت ، وكان البحار الذي يركب عباب البحر ، معتمدا في البداية على المجاديف ، وفي مرحلة ثانية على الأشرعة ، وفي مرحلة أخرى على البخار ، وكلها آليات ووسائل تحتاج إلى مجهود عضلي مضني ، وطاقة بدنية خارقة غالبا ما تكلف الشخص حياته ، بسبب الظروف القاهرة و الإكراهات الطبيعية التي تعرفها البيئة البحرية ، في زمن كان في البحار يفتقد لأبسط وسائل ومقومات الصحة والسلامة ، و لهذا كان ركوب البحر خيار من لاخيار له ، ومغامرة غير محمودة العواقب ، وهو ما أصبح متجاوزا في عصرنا الحالي ، بفعل توفر كل التجهيزات الضرورية للوقاية من الأخطار والحوادث وحفظ السلامة ، مع وقف التنفيد في غياب المراقبة .
كما يجب أن يتم إعتماد المكسب الحقوقي والقانوني المتمثل في تحديد ساعات الشغل في ثماني ساعات كل أربع وعشرين ساعة عوض12 ساعة ، والذي قدمت من أجله الطبقة العمالية العالمية آلاف الضحايا لتحقيقه ، بل وأصبح هذا الإنجاز العظيم رمزا للكفاح العمالي ، وعيدا يحتفل به عمال العالم في كل فاتح ماي من كل سنة ، ترحما على أرواح الشهداء الذين حققوا هذا الإنجاز ، لكن فئة البحارة بالمغرب مازالت تخضع لأنظمة بعيدة كل البعد ، عن الإستفادة من هذا المكسب الذي أصبح حقا ثابتا بقوة القانون ، بفضل توقيع المغرب على الإتفاقيات الدولية الواردة في هذا الشأن .
كما يجب إعادة النظر في سن التقاعد بالنسبة للبحارة ، والعمل على تخفيضه مقارنة مع باقي الأنشطة المهنية الأخرى ، لأن عمل البحار يستنفد كل قوته ومجهوده ، ويجعله عرضة لمجموعة من الأمراض المرتبطة بالبيئة البحرية ، والرائجة بكثافة في صفوف رجال البحر، في ظل عدم التفكير مطلقا في دمج مسؤول طبي ضمن طواقم المراكب والسفن ، أو السعي الجاد من أجل وضع شعبة خاصة بالتطبيب والتمريض ضمن برامج تهيئة طلبة معاهد الصيد البحري بدل إدراج مادة في الإسعافات الأولية تلقن من خلال تدريب مكثف . أو أن تتكفل الدولة أو الوزارة الوصية بتجهيز مراكب طبية خاصة لكي تتمركز في أهم النقط والمصائد التي تعرف أكبر التجمعات .
ولعل أقصر طريق لتحقيق حلم إستصدار مدونة للصد البحري ، هو بتكثيف جهود كل التنظيمات النقابية و الجمعوية ،ونبذ الصراعات الفئوية و الإختلافات البينية ، والسعي قدما نحو مستقبل حافل بالحقوق والمكتسبات ، ونابع من قناعة تامة بأن كل البحارة هم أسرة واحدة ، مصالحهم واحدة وهمومهم واحدة ، وأن الفرد للجماعة والجماعة للفرد ، والقوة تنبع من صلب ولب الإتحاد الجماعي .






















































































