المغرب الأزرق
تقوم الطحالب العالقة الموجودة في الأسطح المائية المعرَّضة لضوء الشمس بتحويل ثاني أكسيد الكربون الموجود في ماء البحر إلى مادة عضوية، تترسب في نهاية المطاف في أعماق البحر، وتحتجز الكربون من الغلاف الجوي. وفي مناطق المحيط التي تتحكم في مستويات ثاني أكسيد الكربون، يحدّ توافر الحديد ـ المغذي ذي التركيز الضئيل ـ من عملية الإنتاج الأوّلي، التي تقوم بها الطحالب. وقد تسببت التغيرات في وفرة الحديد في التأثير بصورة جزئية على التباين المناخي، أثناء الانتقال من العصور الجليدية إلى ما بين الجليدية في الماضي، كما يُتوقع أيضًا أن تؤثر على المناخ في المستقبل. يذكر ريسينج وزملاؤه أنه يتم نقل كميات معتبرة من الحديد المنبعث من الشقوق الموجودة في نتوء واقع في منتصف المحيط عند الأعماق السحيقة، مسافة تبلغ آلاف الكيلومترات، عن طريق التيارات البحرية العميقة بطيئة الحركة. كما يوضح هذا الفريق ـ باستخدام نموذج للمحيط ـ أنه يتم إيصال الحديد من نتوء منتصف المحيط إلى الطبقة المضاءة (المنطقة التي تضيء الشمس سطحها)، الأمر الذي قد يسهم في نمو الطحالب.
اكتشف العلماء في نهاية سبعينات القرن العشرين وجود مياه حارّة محمَّلة بالمعادن، تنساب من الشقوق الموجودة في قاع البحر، وتُعرف باسم الشقوق الحرارية المائية. أوضح التحليل الكيميائي لهذه المياه أنها غنية بالحديد، مقارنةً بالمياه المحيطية التي تجاورها. وكان يُعتقد لعقود خلت أن الحديد المنبعث من هذه الفوهات الحرارية المائية لا يسهم إلا بِنَزْر يسير في المجموع الكلي للحديد الموجود في المحيط العالمي؛ لأن العلماء اعتقدوا أنه يكوِّن رواسب صلبة بجوار مواقع الانبعاث، نتيجة لانخفاض قابليته للذوبان في ماء البحر، غير أن الأرصاد اللاحقة أوضحت أن بعضًا من الحديد المنطلق من الفوهات الحرارية المائية يتم نقله بعيدًا من مواضع انبعاثه. ويُعرف هذا الاحتمال باسم “فرضية الشق المُسَرِّب”.
وجد العلماء تركيزات تفوق المألوف للحديد المذاب، موزعة على مسافات أفقية، تتراوح ما بين مئات إلى آلاف الكيلومترات في عديد من الأحواض المحيطية العميقة. وتم استنباط المنشأ الحراري المائي لهذه التوزيعات غير المألوفة للكميات المرتفعة من الحديد، عن طريق تفحُّص البصمات المناظرة للهيليوم الموجود بها، حيث إن الهيليوم له نظيران مستقران، هما 3He، و4He، ومياه الفوهات الحرارية المائية غنية بنظير 3He، مقارنةً بالنسبة الموجودة في هيليوم الغلاف الجوي، أي أنه يوجد فائض من النظير 3He في الفوهات الحرارية المائية، ويدل هذا الفائض على أن أصل المياه المذكورة يرجع إلى هذه الفوهات. كما تمت الإشارة إلى وجود صلة ما بين التركيزات غير المألوفة للحديد المذاب، وفائض النظير 3He، إلا أن بيانات الهيليوم وبيانات الحديد المذاب جُمعت في أوقات مختلفة، ولذا.. لم يتسن تأكيد المنشأ الحراري المائي لتركيزات الحديد المذاب غير المألوفة.
جمَع ريسينج وزملاؤه مئات العيِّنات من مياه البحر ، من المنطقة الواقعة حول الجزء الجنوبي لنتوء منتصف المحيط، الذي يُعرف باسم مرتفع المحيط الهادئ الشرقي، وهي منطقة معروفة بنشاطها البركاني. وتمكَّن هؤلاء الباحثون من اكتشاف عمود مميز من الماء، يحتوي على تركيزات عالية من الحديد المذاب، يمتد على مساحة تصل إلى أكثر من 4,000 كيلومتر من نقطة المنشأ. كما وُجد ارتباط خطي بين تركيز الحديد المذاب، وتركيز نظير 3He الفائض، الذي تم قياسه من بيانات الهيليوم التي تم تجميعها بصورة متزامنة. وتوضح هذه النتائج بصورة جليّة أن منشأ تركيزات الحديد غير المألوفة هو الشقوق الحرارية المائية الموجودة في مرتفع المحيط الهادئ الشرقي.
وإضافة إلى ما سبق.. وجد الباحثون أنه يتم الحفاظ على العلاقة الخطية ما بين الحديد المذاب، وفائض 3He على امتداد العمود المائي الضخم، مما يدل على أن العملية نفسها ـ التي استُنتج أن مياه البحر المحيطة تخففها ـ تتحكم في تركيزات الهيليوم والحديد المذاب على حد سواء. ولا يتفق هذا السلوك المحافظ مع السلوك الكيميائي المتوقع من الحديد غير العضوي، كما أنه يدعم جزءًا أساسيًّا من فرضية الشق المُسَرِّب: وهو فكرة أن الاستقرار الفيزيائي الكيميائي يسمح بنقل الحديد لمسافات بعيدة من مواضع الشقوق الحرارية المائية. وفضلًا عن ذلك.. يستنتج الباحثون من العلاقة الخطية أن كميات الحديد التي يتم نقلها من الفوهات الحرارية المائية على مستوى العالم تبلغ 3-4 جيجا مول في السنة، وهذا المقدار أكبر من التقديرات السابقة بأكثر من أربعة أضعاف.
قام ريسينج وزملاؤه كذلك باستخدام نموذج مميز للمحيط العالمي، بغرض تقدير إسهام الحديد الحراري المائي في تصدير الكربون العضوي من الطبقة المضاءة، ووجدوا أن هذا الإسهام مؤثر، خصوصًا في المحيط الجنوبي. ولهذه النتائج دلالات مهمة في شأن دور الحديد الحراري المائي في مناخ الأزمنة السابقة، والحالية، والمستقبلية. فعلى سبيل المثال.. يُعتقد أن الترسب المتزايد للغبار الحامل للحديد على سطح المحيط أثناء العصور الجليدية أسهَم في خفض تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، إلا أن وجود إمداد مستقر من الحديد الحراري المائي ـ على امتداد فترات زمنية بطول آلاف السنين ـ كان ليعادل هذه التباينات قصيرة المدى في إمداد الحديد، كما أنه أثَّر ـ تبعًا لذلك ـ على امتصاص المحيط لثاني أكسيد الكربون، مما يلقي بظلال الشك على هذه النظرية.
وهناك قضايا عديدة غامضة، وأسئلة كثيرة ينبغي أن تتم الإجابة عليها، قبل أن نفهم بشكل شامل دور الحديد الحراري المائي في الدورات الكيميائية الجيولوجية الحيوية. وإحدى هذه القضايا هي أن حجم فيض الحديد الحراري المائي العالمي غير مؤكد بالمرة. فقد قام ريسينج وزملاؤه بتقدير الفيض العالمي باستخدام بيانات، تم تجميعها من نظام حراري مائي واحد، إلا أن العلاقة ما بين مستويات الحديد والنظير 3He مالت إلى الاختلاف ما بين موقع وآخر، بسبب الاختلافات في التاريخ التكتوني، والتكوين الكيميائي للصخور المحيطة. فعلى سبيل المثال.. تزيد نسبة تركيز الحديد المذاب إلى نسبة النظير 3He بمقدار 80 ضعفًا في المحيط الأطلنطي الجنوبي، مقارنةً بالمحيط الهادئ الشرقي. ولذا.. هناك حاجة إلى بيانات يتم تجميعها من مواقع مختلفة؛ لوضع حدود لتقديرات فيض الحديد الحراري المائي العالمي، الأمر الذي سوف يقود إلى فهْم أفضل للآليات المسؤولة عن اختلافات القيم ما بين المواقع.
ومما ينبغي فهمه أيضًا، الآليّة التي يتم بها استقرار الحديد في المناطق المحيطة بالشقوق الحرارية المائية. وإحدى الآليات المحتملة هي تكوين مركبات معقدة بين أيونات الحديد، وجزئيات الربط العضوية التي يمكن أن ترتبط به. ويُعتقد أن جزيئات الربط العضوية واسعة الانتشار في مياه البحر، كما أنها تتحكم في تركيزات الحديد المذاب، لأنها تعزز من ذوبانه، إذ إن %99 من الحديد المذاب في الماء يوجد على هيئة مركبات عضوية معقدة، إلا أن معرفتنا بمصادر وخزانات جزيئات الربط العضوية لا تزال محدودة، كما أن غالبية نماذج المحيطات العالمية تفترض وجود تركيزات ثابتة من تلك الجزيئات. ويقوم نموذج المحيط العالمي الذي يستخدمه ريسينج وزملاؤه بتمثيل ديناميكيات جزيئات الربط العضوية في المحيط. وبذلك يتمكن الفريق البحثي من محاكاة عملية نقل الحديد المرتبط بالمركبات العضوية، بعيدًا عن الشقوق الحرارية المائية. وعلى الرغم من أن النموذج يحتوي على عدد من الافتراضات، إلا أن النتائج التي توصل إليها الباحثون توضح بجلاء أهمية تمثيلات آليّة ديناميكيات جزيئات الربط في مثل هذه النماذج.
والسؤال الآن: هل سيستمر الحديد الحراري المائي في القيام بدور مصدر الغذاء للطحالب السطحية؟ حدثت تغيرات بيئية متسارعة في المحيط الجنوبي خلال العقود القليلة الفائتة، إذ قادت الزيادة في مستويات الغازات الدفيئة، وانخفاض كميات الأوزون في طبقة الستراتوسفير من الغلاف الجوي، إلى زيادة شدة الانقلاب الرأسي لمياه الأعماق، بينما أدى التضخم الحديث لدورة المياه، ولذوبان الأنهار الجليدية في القطب الجنوبي، إلى تقوية التقسيم الطبقي للمياه السطحية. ولهذه التغيرات المقدرة على تغيير التبادل ما بين المياه السطحية ومياه الأعماق، الأمر الذي قد يؤدي إلى التأثير على إسهام الحديد الحراري المائي في الإنتاجية البيولوجية في السطح.























































































