حلت بميناء العيون عدد من الحافلات قادمة من مدينة أكادير و على متنها عدد كبير من بحارة الصيد الساحلي، هذا رغم نداءات فعاليات المجتمع المدني المحلي بالعيون بمن فيهم المهني المحذرة من التساهل في تطبيق إجراءات الحجر الصحي، لما يمكن أن تكون له من تداعيات سلبية تساهم في تفشي وباء كورونا في مناطق خالية من الوباء، إلا أن أي تفاعل مع التحذيرات لم يتلق آذانا صاغية.
و ربما السلطة التقديرية للمسؤولين الترابيين و مسؤولي الصحة، يستمد شرعيته من أن البحارة الوافدين يتمتعون بصحة سليمة و لا يشكلون أي تهديد على صحة و سلامة المخالطين بميناء العيون.
هذا القرار يضع مباشرة السلطات المغربية و الحكومة و لجنة اليقظة، أمام مساءلة تستمد شرعيتها من القرار نفسه ، و هو لم تخضع مناطق عديدة بالمملكة الى حجر صحي جماعي ، و هي مناطق لم تسجل فيها اي حالة إصابة على مدى فترة الحجر الصحي ، و ما يترتب عنها من تداعيات سوسيو اقتصادية، خصوصا مع ظهور اختلالات كبيرة في تدبير الدعم المالي الموجه للشرائع الاجتماعية بين تأخير التوصل بالمساعدات و بين اعتماد التناوب بين الفئات حسب تصنيفها ( شغيله القطاع المهيكل و الغير المهيكل ، الأسرة المعوزة…).،و تردي الخدمات التقنية الخاصة بالادلاء بالبيانات عبر البوابات الالكترونية.
القرار نفسه سيطلق حالة من الارتباك بين الأوساط المهنية، و يضع السلطات العمومية أما مسؤولية العدالة و الالتزامات اتجاه مهنيّ الصيد البحري، بحارة و مجهزين و تجار سمك، الذين وجدوا أنفسهم ضحية كورونا.
حسب تقديرنا، فان هذا القرار و ان كان أحاديا ، فلن يكون إلا مقدمة لتنصل الحكومة من التزاماتها بتعويض بحارة الصيد البحري ، بعدما تبين أن أعداد البحارة جد كبيرة قد تصل الى 90000 بحارا منخرطين في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ما يعني 9.000.000 درهما هي تكلفة ثقيلة سيتحملها صندوق تدبير جائحة كورونا المستجد لفائدة بحارة الصيد البحري .
كما أن المنحة الاستثنائية ستشكل عائقا كبيرا في عجلة الإنتاج على مدى أشهر مارس، أبريل، ماي، يونيو، اذ سيتراجع فيها الإنتاج بفعل سوء الأحوال الجوية ، و الراحة البيولوجية، و رمضان، ما يجعل من 2000 درهما للبحار قيمة المنحة جد سخية في هذه الفترة التي تتراجع فيها المداخيل ، رغم أن هذه الفترة كذاك تتزامن مع انطلاق موسم صيد التونة الحمراء و سمك ابو سيف غير أن استفادة البحارة لا تجد اثرها مع استفحال التهريب(عدم المساهمة في CNSS) و تدهور الأثمان و تراجع الطلب الدولي نتيجة جائحة كورونا.
و بالتالي سيجد البحارة أنفسهم غير معنيّين بالاستفادة من المنحة الاستثنائية للمتضررين من جائحة كورونا المستجد، مادامت الحكومة قد اعلنت الالتزام بتموين الأسواق الداخلية من المنتوجات السمكية، يؤكده استمرار عدد من وحدات الصيد البحري في نشاطها بعدد من الموانئ المغربية، الذي يجعل من اي توقف عن نشاط الصيد البحري هو توقف اختياري و ليس اضطراري.
و بالرجوع الى الوراء بأسابيع، حيث أعلنت الدولة المغربية عن دخول المغرب في اعتماد إجراءات احترازية لمواجهة تفشي جائحة كورونا، و الإقرار باعتماد برنامج مواكبة سوسيو اقتصادي، من شقين متناقضين احدهما ضمان تموين السوق الداخلي من الغذاء الذي يمر عبر خطوط الإنتاج و اللوجيستيك الى الاستهلاك، و الثاني تخصيص دعم مادي لجميع الفئات المتضررة من توقف أنشطتها اضطراريا بسبب جائحة كورونا.
قطاع الصيد البحري و جد نفسه بين قطاع منتج يتحمل تموين السوق الداخلي من الأسماك، و بين مستفيد من برنامج صندوق تدبير تداعيات أزمة حائجة كورونا.
و ربما القرار الولائي الذي صدر عن جهة الداخلة وادي الذهب بتوقيف نشاط الصيد بقرى الصيد، و ما صاحبه من عمليات نقل جماعي للبحارة الصيادين نحو أكادير، و حدو الكثير من البحارة حدو رفاقهم بعدد من الموانئ ، و تفاعل عدد كبير من المجهزين مع إرادة بحارتهم، تسبب في انقسام كبير في المواقف، و أنتج أزمة داخلية كبيرة يدفع ثمنها البحار لوحده، الذي وجد نفسه تتقاذفه القرارات و الآراء المتضاربة و المتعددة .
فاذا كانت وزارة الفلاحة و الصيد البحري قد أقرت بالتزامها تموين السوق الداخلي من المنتوجات البحرية طيلة فترة الحجر الصحي، فذلك يعني ضمنيا استمرار نشاط الصيد البحري و تجارة السمك.
بالمقابل فان إدراج البحارة الصيادين كمستفيدين من برنامج الدعم المخصص للشغيلة القطاع الخاص المتضررين من التوقف الاضطراري بسبب جائحة كرورنا، يضمن بقوة القانون استفادة رجال البحر من المنحة الاستثنائية، مع ضرورة استحضار سبب التوقف الذي يكون مباشرا أو غير مباشر لان نشاط الصيد البحري هو نشاط متشعب و متلازم بأنشطة أخرى.
و سنخصص في هذا الباب حيزا مهما من الترافع، بعد حالة الارتباك التي ظهرت و التي تنذر بأزمة حقيقة تتحمل فيها الدولة المغربية مسؤولية جسيمة.
فكما هو معلوم، فان أي مركب للصيد يتكون من طاقم أقله 3 بحارة في الصيد التقليدي الى 40 بحارا في الصيد الساحلي،كما أن غالبية البحارة خصوصا في المناطق الجنوبية ،منحذرون من مدن و مداشر منتشرة شمال المملكة(التل)، مع استحضار مقولة ” ما أن يجف البحّار بعد دخوله من البحر حتى يجف جيبه “، و هو مثل شائع بين البحارة، بمعنى أنه رزق البحار مرتبط بالبحر .
ما حدث بداية إعلان حالة الحجر الصحي العام على المستوى الوطني ، أن انطلق البحارة الصيادون الى مدنهم ، و منهم من انتقل من الداخلة الى الناظور، و فاس و وجدة أو قلعة السراغنة او أرض الرحامنة.. و غيرها من المناطق الداخلية و البعيدة عن مقرات العمل ، ما يعني تفكك الطاقم و انتشاره في الأرض ، ما عطل بشكل اضطراري بعضا من أسطول الصيد البحري، علما أن الصيد البحري مشمول بنسبة 100% من التغطية الصحية و الاجتماعية، ما يمنح الأفضلية للبحارة في الاستفادة من المنحة الاستثنائية و خصوصا أولئك الذين لم يتم إنزالهم من وحدات الصيد . غير أن المركب و بسبب تقلص عدد الطاقم اصبح معطلا اضطراريا، فلا يمكن لمركب صيد السردين مثلا أن يبحر دون اكتمال طاقمه ، و بالتالي فان التوقف اضطراري ، و يلزم الدولة تبعويض المتوقفين اضطراريا ، كما تلزمها بتعويض الذين علقوا في المناطق النائية ، بسبب ظروف الحجر الصحي و حالة الطوارئ و بموجب قرار منع التنقل عبر وسائل النقل الجماعي…
يأتي هذا في ظل غياب لجنة مشتركة خاصة بقطاع الصيد البحري ، او تواصل داخلي فعّال ، أو تحمّل الهيئات المهنية و المؤسسات مسؤولياتها في تأطير المهنيين و البحارة ( اللهم بعض الخرجات المحتشمة لبعض الهيئات ) ،و في وغياب تنسيق بين القطاعات في لجنة اليقظة و المسؤولين الترابيين (قرار سلطات أكادير بالسماح للبحارة التنقل قوبل برد فعل صارم من السلطات الترابية لطانطان، العيون، الداخلة )،و (استمرار تموين سوق الاستهلاك بالسمك، إدراج البحارة الصيادين في قائمة المشمولين بالاستفادة من الدعم).
فالى متى يبقى البحار مصدرا لتسمين الحسابات الخاصة و تمويل الصناديق الاجتماعية، دون اعتبار.
حاميد حليم
مستشار في الاعلام البحري و التواصل.






















































































