لم تعد حوادث سرقة مراكب الصيد البحري واستغلالها في الهجرة غير النظامية مجرد أحداث متفرقة، بل تحولت إلى ظاهرة مقلقة تفرض نفسها بقوة على الساحة البحرية الوطنية، في وقت تتزايد فيه أيضًا حوادث الغرق وفقدان الأرواح في عرض البحر، وسط تساؤلات متنامية حول نجاعة منظومة المراقبة والإنقاذ البحري.
فخلال السنة الجارية، سجل القطاع البحري تكرارًا لحوادث سرقة مراكب الصيد، التي انتهى المطاف ببعضها في شبكات الهجرة غير النظامية، بالتوازي مع وقوع حوادث بحرية مأساوية أسفرت عن غرق مراكب وفقدان عدد من البحارة، تاركين وراءهم أرامل وأيتامًا وأسرًا فقدت معيلها الوحيد.
هذا الواقع يطرح أكثر من علامة استفهام حول مدى جاهزية منظومة السلامة البحرية، وقدرتها على حماية الأرواح والممتلكات، خصوصًا في قطاع يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني ويوفر مصدر عيش لآلاف الأسر المغربية.

ولا تتوقف تداعيات سرقة مراكب الصيد عند الخسائر المادية التي يتكبدها أصحابها، والذين استثمروا سنوات من العمل والجهد في اقتنائها، بل تمتد إلى أبعاد أمنية وإنسانية، بالنظر إلى توظيف هذه الوحدات البحرية في أنشطة الهجرة غير النظامية، بما يفرض تعزيز إجراءات المراقبة البرية والبحرية وتشديد الرقابة على الموانئ ونقط الرسو.
وفي المقابل، يظل ملف إنقاذ الأرواح البشرية في البحر حاضرًا بقوة في النقاش المهني، خاصة مع تكرار حوادث الغرق وما يرافقها من مطالب بضرورة تطوير وسائل الإنقاذ والتدخل السريع، وتفعيل مختلف الآليات القانونية والتنظيمية المرتبطة بالسلامة البحرية.
كما تتجدد التساؤلات بشأن الأموال المقتطعة من مبيعات الأسماك داخل أسواق المكتب الوطني للصيد والمخصصة لدعم جمعية إنقاذ الأرواح البشرية في البحر، ومدى توظيفها في تحقيق الأهداف التي أُحدثت من أجلها، إضافة إلى مدى انتظام أجهزة الجمعية في عقد اجتماعاتها العامة وتقديم تقاريرها الأدبية والمالية وفقًا للمقتضيات القانونية المنظمة لعمل الجمعيات.
ومن حق المهنيين والرأي العام أن يطلعوا على نتائج التحقيقات المتعلقة بحوادث سرقة المراكب والغرق، وأن يعرفوا الإجراءات التي اتخذتها الجهات المختصة لمعالجة هذه الاختلالات، لأن الشفافية في مثل هذه الملفات تعزز الثقة وتكرس مبادئ الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

إن حماية الأرواح البشرية في البحر ليست مسؤولية البحارة وحدهم، بل هي مسؤولية مشتركة تتقاسمها مختلف المؤسسات المعنية بالأمن البحري، والمراقبة، والإنقاذ، وتطبيق القانون. كما أن تطوير منظومة الفحص التقني للمراكب، وتحديث وسائل التدخل والإنقاذ، وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، بات ضرورة ملحة أكثر من أي وقت مضى.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: إلى متى ستتكرر حوادث سرقة مراكب الصيد واستغلالها في الهجرة غير النظامية؟ وإلى متى ستستمر حوادث الغرق في حصد أرواح البحارة، في انتظار إجراءات عملية وفعالة تعيد الثقة إلى مهنيي القطاع، وتحفظ أمن البحر، وتصون أرواح من جعلوا منه مصدر رزقهم؟
إن مستقبل قطاع الصيد البحري لا يقاس فقط بحجم الإنتاج، بل أيضًا بقدرته على توفير بيئة آمنة تحمي الإنسان قبل كل شيء، لأن حماية الأرواح تظل أسمى مسؤولية، وأساس أي سياسة بحرية ناجحة.






















































































