مع الساعات الأولى من الصباح، يبدأ ميناء آسفي في استعادة حركته المعتادة. قوارب الصيد مصطفة على الأرصفة، وبحارة ينشغلون بفحص معدات الغوص وتجهيز الحبال والأكياس التي سترافقهم مع انطلاق موسم جني الطحالب البحرية. في المقاهي المطلة على الميناء، لا يكاد يخلو حديث المهنيين من موضوع واحد: الكوطا الجديدة التي أعلنتها كتابة الدولة المكلفة بالصيد البحري، وما تحمله من انعكاسات على الموسم المنتظر.
هذا العام، حددت السلطات السقف الإجمالي المسموح باستغلاله في 25.686 طنًا من الطحالب البحرية، في إطار سياسة تروم تدبير هذا المورد الطبيعي وفق أسس علمية توازن بين متطلبات الاقتصاد وضرورة الحفاظ على الثروة البحرية.
كوطا أقل… وحذر أكبر
في آسفي، التي تعد من أهم مراكز جني الطحالب بالمغرب، تلقى المهنيون خبر تقليص الحصة الإجمالية للميناء بحوالي 400 طن مقارنة بالموسم الماضي بمشاعر متباينة.
ويقول أحد المهنيين بالميناء إن الجميع يدرك أهمية حماية المخزون الطبيعي، “لكن أي تقليص في الكميات ينعكس مباشرة على مداخيل البحارة والعاملين في هذا النشاط، خاصة أن عددا كبيرا من الأسر يعتمد على موسم الطحالب كمورد رزق رئيسي.”
وتعزو الإدارة هذا التراجع إلى نتائج الدراسات العلمية التي ترصد تطور المخزون الطبيعي، في خطوة تهدف إلى الحد من الاستغلال المفرط وضمان تجدد الطحالب واستدامة استغلالها.
تنظيم دقيق للموسم
المعطيات الرسمية تشير إلى تخصيص 20.701 طنًا لثلاث مناطق بالشمال، ستستغلها 1.044 قاربًا خلال الفترة الممتدة من فاتح غشت إلى 30 شتنبر، فيما خصصت 4.985 طنًا من الطحالب الرطبة، بما يعادل 1.594 طنًا من الطحالب المجففة، لثلاث مناطق جنوبية يمتد فيها الموسم إلى غاية 31 ماي.
أما بميناء آسفي، فستتولى مندوبية الصيد البحري توزيع الكوطا المخصصة للميناء على 75 قاربًا يتوفر أصحابها على رخص صيد سارية، وفق معايير تنظيمية تهدف إلى ضمان احترام الحصص المحددة وتفادي أي تجاوزات.
المراقبة… الحلقة الحاسمة
ورغم الترحيب بمبدأ تنظيم القطاع، يرى عدد من الفاعلين أن نجاح الموسم لن يقاس فقط بحجم الكوطا، وإنما بمدى احترامها على أرض الواقع.
ويؤكد أحد الفاعلين المهنيين أن “المشكل الحقيقي يبدأ بعد خروج الطحالب من البحر، إذ ينبغي مراقبة مسارات النقل والتجميع والتسويق حتى لا تجد الكميات التي جُمعت خلال فترة الراحة البيولوجية طريقها إلى السوق.”
ويعتبر مهنيون أن تشديد المراقبة من شأنه الحد من السوق السوداء وعمليات التهريب، وضمان منافسة عادلة بين المهنيين الملتزمين بالقانون.
بين الاستدامة والبعد الاجتماعي
وفي الوقت الذي تتجه فيه السلطات إلى تشديد إجراءات حماية الموارد البحرية، يطالب العاملون في القطاع بعدم إغفال الجانب الاجتماعي، خاصة خلال فترات التوقف البيولوجي التي تتوقف فيها أنشطة الجني.
ويؤكد عدد من جامعي الطحالب أن المحافظة على الثروة البحرية هدف يتقاسمونه مع الإدارة، غير أنهم يرون أن ذلك ينبغي أن يواكَب ببرامج للدعم الاجتماعي، وتشجيع أنشطة بديلة، وتحسين ظروف العمل، حتى لا تتحول فترات التوقف إلى عبء اقتصادي على الأسر التي تعيش من هذا النشاط.
قطاع واعد يحتاج إلى توازن
ويظل قطاع الطحالب البحرية من الأنشطة الاقتصادية ذات القيمة المضافة، بالنظر إلى الطلب المتزايد على منتجاته في الصناعات الغذائية والدوائية والتجميلية. غير أن هذا الرهان الاقتصادي يبقى مرتبطًا بقدرة مختلف المتدخلين على احترام قواعد الاستغلال المستدام، وتفعيل المراقبة، واعتماد نتائج البحث العلمي كأساس لاتخاذ القرار.
وبين قوارب تستعد للإبحار، وبحارة يترقبون بداية الموسم، وإدارة تراهن على التدبير العلمي للمخزون، يبدو أن موسم جني الطحالب البحرية بآسفي لن يكون مجرد سباق نحو البحر، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الجميع على تحقيق معادلة دقيقة: حماية الثروة البحرية، وضمان استمرارية مورد رزق آلاف الأسر التي ارتبطت بالبحر جيلاً بعد جيل.























































































