عبد الرحيم النبوي: المغرب الازرق
قبل أن تلامس قدماك رمال شاطئ كرام الضيف، تستقبلك رائحة البحر الممتزجة بنسيم الأطلسي، فيما تمتد أمامك لوحة طبيعية تتداخل فيها زرقة المياه مع صفرة الرمال وخضرة الهضاب المطلة على الساحل. هنا، بالجماعة الترابية أيير، وعلى بعد نحو 56 كيلومتراً جنوب مدينة آسفي، يبدو الزمن وكأنه يسير بوتيرة مختلفة، في مكان لا تزال الطبيعة تحتفظ فيه بعذريتها، ويقاوم فيه التاريخ عوامل النسيان.
خلال فصل الصيف، يتحول هذا الشاطئ إلى قبلة لعشرات الأسر القادمة من مختلف مناطق المغرب، بحثاً عن الهدوء والسكينة بعيداً عن ازدحام الشواطئ الكبرى. أصوات الأطفال تختلط بهدير الأمواج، والشباب يمارسون السباحة والرياضات البحرية، فيما يختار آخرون الجلوس فوق الصخور لمراقبة مشهد الغروب الذي يحول الأفق إلى لوحة تتدرج ألوانها بين البرتقالي والأحمر والذهبي.
غير أن أكثر ما يلفت انتباه الزائر هو تلك التكوينات الصخرية المنتشرة بمحاذاة الساحل، والتي ارتبطت عبر الزمن بحكايات وأساطير تناقلتها الأجيال. ويؤكد عدد من سكان المنطقة أن هذه الصخور ليست مجرد تشكيلات طبيعية، بل شواهد صامتة على تاريخ طويل ما تزال كثير من أسراره لم تُكشف بعد.
وعلى مسافة قصيرة من الشاطئ، تنتصب القصبة التاريخية لأيير فوق جرف صخري يطل على المحيط الأطلسي، في مشهد يجسد تزاوج التاريخ بالجغرافيا. ورغم ما طالها من تآكل وإهمال، لا تزال أسوارها المتبقية تروي فصولاً من تاريخ المنطقة، منذ أن شيدها البرتغاليون خلال القرن الخامس عشر، قبل أن تتحول إلى مسرح لمعارك انتهت بتحريرها سنة 1517 على يد الشريف أبو عبد الله محمد السعدي، بعد انهيار جزء من أسوارها إثر انفجار مخزن للبارود، في واحدة من أبرز المحطات التي وثقها المؤرخ محمد بن أحمد العبدي الكانوني في كتابه آسفي وما إليه.
وبالقرب من القصبة، يقف مسجد عتيق شاهداً على تاريخ ديني وعلمي عريق، بعدما احتضن، لسنوات طويلة، مدرسة لتعليم القرآن الكريم وعلوم الحديث، في وقت كانت فيه المنطقة تعرف نشاطاً اقتصادياً مزدهراً يعتمد على الفلاحة والصيد البحري.
ورغم ما يختزنه شاطئ كرام الضيف من مؤهلات طبيعية وتاريخية، فإن الواقع يكشف عن مفارقة واضحة؛ فالإقبال المتزايد الذي يعرفه المكان خلال السنوات الأخيرة لم يواكبه تأهيل يرقى إلى حجم هذه المؤهلات. فلا تزال البنيات الأساسية والخدمات السياحية محدودة، كما تغيب مرافق الترفيه والتجهيزات الضرورية التي من شأنها تحسين ظروف استقبال الزوار.
“المكان يستحق الأفضل“… بهذه العبارة اختصر أحد المصطافين انطباعه عن الشاطئ، مضيفاً أن اختياره لهذه الوجهة يعود إلى جمالها الطبيعي، وقربها من منتجع الوليدية، وهدوئها الذي يصعب العثور عليه في شواطئ أخرى. ويقول: “نأتي كل صيف للاستمتاع بهذا المكان، لكننا نتمنى أن تتوفر به مرافق أكثر، وأن تتم العناية بالقصبة والمحيط البيئي حتى يصبح في مستوى المؤهلات التي يتوفر عليها.”
ويجمع عدد من الزوار على أن شاطئ كرام الضيف يمتلك كل المقومات التي تؤهله ليصبح من أبرز الوجهات السياحية بالساحل الأطلسي، غير أن تحقيق هذا الطموح يظل رهيناً بإطلاق مشاريع حقيقية لإعادة التأهيل، تشمل تحسين الولوج إلى الشاطئ، وإحداث مرافق صحية وترفيهية، والمحافظة على نظافة الفضاء، إلى جانب تثمين القصبة التاريخية باعتبارها جزءاً من الذاكرة الوطنية.
في المقابل، تتجه الجماعة الترابية أيير، وفق معطيات محلية، إلى اعتماد مقاربة تشاركية مع مختلف المتدخلين من أجل إعادة هيكلة الفضاءات السياحية بالمنطقة، بما يساهم في تثمين مؤهلاتها الطبيعية والتراثية، ويحولها إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ومع اقتراب غروب الشمس، يبدأ الزوار في مغادرة الشاطئ، بينما تبقى الأمواج تواصل ارتطامها بالصخور، وكأنها تردد رسالة واحدة: إن شاطئ كرام الضيف لا يحتاج إلى اكتشاف، بقدر ما يحتاج إلى رؤية تنموية تحفظ جماله، وتصون تاريخه، وتمنحه المكانة التي يستحقها على الخريطة السياحية المغربية.






















































































