أعادت دراسة علمية حديثة منشورة في دورية Hydrobiologia فتح النقاش حول البنية الوراثية والتوزيع الجغرافي لمجموعات التونة في شمال الأطلسي والبحر المتوسط والمناطق المدارية، بعدما كشفت عن وجود مؤشرات على اختلافات وراثية ونمائية بين هذه المجموعات، رغم التشابه الكبير في خصائصها الشكلية.
واعتمد الباحثون في هذه الدراسة على تحليل 633 عينة جينية، إلى جانب 466 عينة مخصصة لدراسة النمو والعمر، بهدف مقارنة الخصائص البيولوجية والوراثية لمجموعات التونة عبر مناطق جغرافية مختلفة.
وأظهرت النتائج وجود مؤشرات على تمايز وراثي بين المجموعات الشمالية والمدارية، وهو ما يشير إلى أن التشابه الظاهري بين الأسماك لا يعني بالضرورة انتماءها إلى المجموعة الوراثية نفسها، كما يسلط الضوء على أهمية المعطيات الجينية في فهم توزيع هذه الموارد البحرية وحركتها بين مناطق الصيد.
غير أن الدراسة تطرح في المقابل علامة استفهام لافتة بالنسبة إلى المنطقة المغاربية، بعدما سجلت غياب عينات من السواحل المغربية والموريتانية ضمن المعطيات المعتمدة في التحليل.
ويعني هذا الغياب أن الحدود الجغرافية الدقيقة بين المجموعات الوراثية التي تناولتها الدراسة لا تزال بحاجة إلى مزيد من التحقق، خصوصاً في المنطقة الممتدة على طول السواحل الأطلسية للمغرب وموريتانيا، حيث توجد مصايد مهمة للتونة وأنواع بحرية مهاجرة أخرى.
المغرب أمام فجوة علمية تحتاج إلى عينات ميدانية
وتكتسي هذه الملاحظة أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب، بالنظر إلى الدور الذي تلعبه مصايده الأطلسية في إنتاج وتداول عدد من أنواع التونة، فضلاً عن ارتباط هذه الموارد بحركة موسمية وهجرات بحرية تتجاوز الحدود الوطنية.
ومن هذا المنطلق، فإن غياب عينات مغربية موثقة يجعل الحسم في الهوية الوراثية الدقيقة للتونة الموجودة في المصايد المغربية أمراً يحتاج إلى معطيات إضافية، ولا سيما عينات تجمع بشكل منهجي من مختلف مناطق الإنزال والموانئ ومواقع الصيد.
ويرى باحثون في مجال علوم البحار أن سد هذه الفجوة يمكن أن يتم من خلال إطلاق برامج بحثية ميدانية مغربية تعتمد على جمع عينات جينية موثقة جغرافياً وزمنياً، وربط نتائج التحليل الوراثي بمعطيات العمر والنمو والحجم ومسارات الهجرة ومناطق التكاثر.
ولا يتعلق الأمر بمجرد تحديد هوية الأسماك، إذ يمكن لمثل هذه الدراسات أن توفر قاعدة علمية أكثر دقة لفهم حركة التونة بين المناطق البحرية المختلفة، وتحديد درجة ارتباط المصايد المغربية بالمجموعات الأطلسية أو المدارية، فضلاً عن دعم تدبير هذه الموارد على أساس معطيات بيولوجية أكثر اكتمالاً.
سؤال مفتوح أمام البحث البحري المغربي
وتضع الدراسة، بذلك، الباحثين المغاربة أمام سؤال علمي واضح: أين تقع المصايد المغربية ضمن الخريطة الوراثية الإقليمية للتونة؟
والإجابة عن هذا السؤال تتطلب، بالدرجة الأولى، توسيع قاعدة البيانات العلمية لتشمل عينات من السواحل المغربية، خصوصاً أن التونة من الأنواع واسعة الحركة، وأن فهم بنيتها الوراثية وهجراتها يشكل عنصراً أساسياً في تقييم المخزون وتدبير المصايد بشكل مستدام.
وبذلك، لا تقدم الدراسة جواباً نهائياً حول هوية التونة الموجودة في المياه المغربية، بقدر ما تكشف عن حاجة علمية قائمة إلى مزيد من البحث الميداني، بما يسمح باستكمال الخريطة الوراثية لهذه الموارد البحرية وربط المعطيات العلمية بالممارسات الفعلية للصيد وتدبير المخزونات.






















































































