اصبح من الضروري التخلي على منظومة الصيد القائمة على هندسة المصايد لما بات يشكله هذا النظام من عبث على الصيد البحري و على مصالح شريحة واسعة من المهنيين ،و شريحة كبيرة من المواطنين.
فاذا كان الهدف من مخططات تدبير المصايد هو حماية الثروة السمكية و المحافظة عليها، فإن ما يستتبعها من سلوكيات الصيادين و تبعيتهم للقرارات الإدارية الخشبية و إملاءات الباطرونا، يؤدي بطريقة أخرى أو بأخرى الى الإضرار بالنظم الإيكولوجية، بالقوانين و المواثيق و بالتنافسية.
و ما تشهده مصيدة الأخطبوط مؤخرا من عبث، لأكبر شاهد على تباين الرؤية بين “روح الراحة البيولوجية ” و “سطحية موسم الصيد”.
وفق المعطيات و شهادات الصيادين فإن القرار العلمي للمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري الأخير، افتقد الى المصداقية العلمية و الأخلاقية و جر قطاع الصيد البحري الى استصدرا قرار أكثر جورا، على الصيادين ليعيشوا إغلاقا على مستوى مصيدة جنوب سيدي الغازي لأكثر من 8 اشهر.
غير أن ما يحدث الآن بذات المنطقة يعد من الجرائم البيئية بعدما استنفدت عدد من وحدات الصيد حصتها مبكرا، و تَعمَد الى التخلص من مصطاداتها غير المناسبة لطلب السوق ، وأجل تمطيطا للوقت تجنبا للعودة و التوقف.
ليطرح السؤال الطويل العريض عن نظام الترخيص بالصيد المعمول به ، خصوصا لدى السفن الكبرى في الصيد الصناعي، و طبيعة الراحة البيولوجية، هل هي راحة بيولوجية أم اقتصادية؟ و هل موسم الصيد هو فعلا موسم الصيد أم موسم لتنشيط الدينامية السوسيو اقتصادية للصيادين؟ و هل النظام برمته وضع في اطار شمولي بمنطق الدولة أم نظام فئوي يخدم شركات الصيد بأعالي البحار، و يجعل من الإدارة وكالة للإشراف على حماية مصالح الشركات الكبرى؟.
أسئلة لا تحتاج الى جواب لأهل العلم ، فالواقع يجيب عنها، و قد أصبح الجميع مقتنعا بضرورة التوقف عن العبث بمقدرات الوطن من الثروة السمكية و إحقاق العدالة في توزيع الرأسمال الطبيعي من أجل خلق الثروة، في اطار من الشفافية وحق الولوج الى الاستثمار تثبيت مبدأ حفظ حق الأجيال القادمة.
بعد عشر سنوات من الانخراط في استراتيجية اليوتيس حتى “الثمالة” تحت شعار “تنظيم قطاع الصيد البحري و حماية الثروة السمكية ” و تحت غطاء ” التي اطلقها صاحب الجلالة ” لإضفاء القدسية ، كشف تلكم الفترة (بكل يوم و ساعة ) عورة الإدارة و ضعفها في مواجهة لوبيات الضغط ، و حولت الإدارة و أطرها الى أداة لحياكة القرارات لفائدة أصحاب المنفعة ، دون اعتبار لتداعيات تلك القرارات، و سيكون قرار تمديد الراحية البيولوجية في لشهر يوليوز اكبر شهادة موقعة أشهاد قبور ضحايا القرار الجائر.
كما سيكون وضع أسطول الصيد بالخيط مثلا ، من أهم مشاهد العبث و الحَوَل في أبصار و بصيرة أصحاب القرار، عندما يكون الخطاب و التوجيهات الملكية تدفع نحو الاستثمار و توليد فرص الشغل و خلق الثروة و تحريك عجلة التنمية، في الوقت الذي يعيش فيه أكثر من 500وحدة صيد العطالة، علما أن مركبا واحدا للصيد بالخيط هو بمثابة مقاولة صغيرة تشغل أكثر من 10 أفراد، و تعيل عشرات الأسر، و تنشط دورة اقتصادية بالميناء و تؤدي الرسوم ….
الواقع أن أسطول الصيد بالخيط محروم من الولوج الى الرخويات و خصوصا الأخطبوط، و جراد البحر، و التونة الحمراء و ابوسيف … ، إلا المنعم عليهم المعدودون على رأس الأصابع.
أمام هذا الوضع، لا يمكن الحديث عن حماية اجتماعية كما يريدها صاحب الجلالة محمد السادس نصره الله، حيث لا تغطية صحية و اجتماعية مادامت مقرونة بالعمل و بنسب الاقتطاعات، و هذا الشرط مرتبط بشكل عضوي بالتصريح المصطادات ، و كل هذا في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج و منها المحروقات.
و قد كشفت أزمات اقتصادية و مناخية عن فشل منظومة الحماية الاجتماعية ، كما كان في شأن الإغلاق العام خلال فترة الجائحة، و أثناء التوقف بفعل القرار الجائر بإغلاق مصيدة سيدي الغازي لأكثر من 8 أشهر، و توسع فترات سوء الأحوال الجوية…فضلا عن الاختلال الذي يعرفه النظم الايكولوجية بسبب التغيرات المناخية و تأثيرها على التيارات البحرية.
وضع مهمل بشكل تام و لا يقارب إلا من باب الترف السياسي و النقابي، يستوجب الإقرار بضرورة تغيير النخب التي جثمت على صدر قطاع الصيد لأكثر من عقد من الزمن في التسيير و التدبير و صناعة القرار ، و تحول العلاقات من علاقات استشارية و إدراية الى علاقات سيوسيو اقتصادية، و ضاعت معها المصالح و اصبح الوضع كارثي.
هي حالة من الإفلاس يعيشها القطاع تستوجب تغييرا في العقليات الناشئة من أجل مواكبة التغييرات الطارئة ،بدء من الادارة الى الغرف الى التثميليات المهنية و النقابية….و الى ذلكم الحين نتمنى لقطاع الصيد البحري الرفاه.
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم
مستشار في الإعلام البحري و التواصل.






















































































