مع ما بلغته نسبة التقدم في تنزيل ورش “الجهوية المتقدمة “،لا يزال قطاع الصيد البحري متخلفا بشكل كبير عن الرؤية الملكية، و لا ندري المانع من ذاك الا غياب رؤية واضحة أو تقية من رد فعل من سيضره الأمر.
و في ظل تراجع المصطادات و ظهور أثار التغيرات المناخية على البيئة البحرية ، و على الوضعية السوسيو اقتصادية لمجتمعات الصيد البحري ، بات من اللازم فتح نقاش عمومي حول التنمية المستدامة للمجالات البحرية للأقاليم و الجهات.
فما نعيشه اليوم هو مشهد مصغر لما تعانيه دول ضعيفة فاقدة للسيادة البحرية و السيادة العلمية و التقنية ، فتحت مصايدها للأساطيل الأجنبية مقابل تعويضات مالية هزيلة ، وبنفس القدر تكالب عليها القراصنة نهبوا الثروة السمكية بتواطؤ مع الفقراء من الصيادين ذوو الأولوية في العيش و البقاء على بقاء الثروة السمكية، و الآن لا يجد الصيادون الصغار الذين يعيشون على الصيد الحرفي ما يغطون به احتياجاتهم اليومية، بل اكثرهم تخلوا عن نشاط الصيد و اختاروا الهجرة الى الشمال، و من بقي منهم فلا يتورع عن التعاون مع القراصنة.
ما تعيشه مصايد مملكتنا الحبيبة هو فساد و إفساد في البحر ، غطت عليه أحداث و تحديات على رأسها ما هو ديبلوماسي وسياسي و اقتصادي خلال العقد الماضي، قبل أن ينهار جدار الورق، و تتحول أيام الود بين الفرقاء الى صراع الحيتان.
عقد المشمش قد ولى بعدما لمع الصيد البحري -في زمن عزيز الصيد- كأحد مصادر الثروة ، و تفرخت خلاله المراكب و وسعت الهياكل و العنابر و ازداد حجم الاسطول و قيمته ، حتى اختنقت الموانئ و جففت المصايد.
و هاهي بعض الموانئ الآن تتحول الى مرائب(باركينغ) ترابط فيها مئات القوارب و المراكب و السفن، و الحديث هنا عن ميناء أكادير او نظيره بالحسيمة كمثال.
أسطول الصيد البحري المحسوب على ميناء أكادير بمختلف أنواعه كما هو معلوم يعيش على مصايد الأقاليم الجنوبية ، فيما العائد على هذه الأقاليم لا يشكل القيمة الحقيقية من المساهمة في التنمية المحلية.
فمثلا اسطول الصيد بأعالي البحار يتم تموينه(الوقود،التغذية)و تجهيزه بميناء اكادير ، كما أن أطقمه كذلك أغلبهم مقيمون بالمنطقة، غير أن نشاط الصيد يتم على حساب الثروة السمكية لجهة الداخلة وادي الذهب ، حتى أن المفرغات يتم تفريغها بميناء أكادير.
أكيد أننا في مغرب واحد و تحت قانون واحد ، و الثروة السمكية هي ثروة وطنية، الا أنه و في ظل ما تعيشه بعض المصايد بسبب جور ماكينة الصيد ، أصبح من الحكمة التأمل في الظاهرة ، و انتاج قرارات مسؤولة و جريئة تحمي مقدرات كل منطقة، كما سيكون رادعا قويا ضد السلوكات غير الرشيدة.
و سنستحضر هنا بعض الاجراءات و التدابير التي اتخذت غطاء حماية الثروة السمكية لحماية مصالح فئة على حساب شريحة عريضة من المواطنين ، و كيف خرج ائتلاف حماية الثروة السمكية الذي تشكل بقدرة قادر من الاخوة الأعداء ، في مواجهة الصيد التقليدي ، بدعوى محاربة القوارب المعيشية و مكافحة التهريب و الهجرة غير النظامية ، و ما استتبع ذلك من تدابير إغلاق عدد من قرى الصيد بجهة الداخلة ، و تداعيات القرارات على الوضعية الاجتماعية و الاقتصادية للصيادين و ملاك القوارب القانونية ، وكذا اقتصاد الجهة برمتها.
اليوم و بعد فشل جميع التدابير الترقيعية بسبب ضبابية الرؤية و محدودية الإمكانيات و تغول لوبيات الصيد، وقوة الطبيعة القاهرة، انقلب الرأي العام المهني على بعضه، فهاهو الصيد الساحلي يجلد الصيد الصناعي ، و الجميع يعلق الفشل على المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري .
اليوم كذلك نشهد لعبة القط و الفأر بين المهنيين و المعهد الوطني للبحث في الصيد البحري خلال الاجتماعات، و كما كان قبل أسابيع خلال أشغال المنتدى الدولي للصناعات السمكية الذي حضره الجميع و غاب عنه مهنيو الصيد البحري.
ولا بد هنا من التذكير أن لا أحد تجرأ على ادانة ما تعرضت له المصيدة الأطلسية الوسطى من مجازر في حق الثروة السمكية قبل أشهر من طرف اسطول صيد السمك السطحي الساحلي.
في هذا الخضم الذي يعكس واقعا بئيسا و حالة إفلاس لقطاع الصيد البحري، وجب الالتفات الى التنمية المستدامة للأقليم والمناطق السحلية التي يتم استغلال ثرواتها البحرية دونما عائد مباشر، حتى لا تدهس حقوق الساكنة المحلية كما يدهس العشب تحت ارجل الفيلة في حالة الحرب و الحب.
فمثلا لا يمكن القبول باستغلال مصيدة بدائرة بحرية تقع في مجال ترابي لجماعة ما ،و يتم تفريغ المصطادات بميناء جماعة أخرى، حيث ستستفيد هذه الأخيرة من ما يولده التفريغ من دينامية اقتصادية فضلا عن الرسوم التي سيتم تحصيلها من فضل الله.
و من هنا لا بد من تحرك الفاعلين و صناع القرار بالدوائر البحرية للترافع عن مقدرات مناطقهم و فرض استغلال و تفريغ المصطادات و توطين الاستثمارات في الصناعات السمكية، استنادا الى القانون الإطار رقم 12-99،بمثابة ميثاق وطني للبيئة و التنمية المستدامة.
فإذا كانت تجربة ميناء بوجدور تقدم لنا نموذجا في القدرة الخارقة على التحكم في الولوجيات الى مصيدة بوجدور، فبنفس القدر يجب على الإدارة الوصية اعتماد نظام مماثل يقوم على حق الاستغلال مقابل التنمية المحلية.
كتبها للمغرب الأزرق الأستاذ حليم حاميد
مستشار في الإعلام البحري والتواصل
عضو المرصد الإعلامي للصيد المستدام بأفريقيا.






















































































