عبد الرحيم النبوي: المغرب الازرق
مع انحناء الشمس نحو الأفق، لا يهدأ ميناء آسفي، بل تتغير فقط ملامح الحركة داخله. قوارب الصيد التقليدي تبدأ في العودة تباعاً إلى الرصيف، والبحارة ينهمكون في تفريغ ما جادت به رحلاتهم البحرية، بينما تتجه الصناديق المحملة بالمصطادات نحو سوق السمك بالجملة، حيث يستعد التجار والمهنيون لجولة جديدة من المزاد.
في الداخل، تتعالى أصوات المناداة، وتتحرك الأيدي بين الصناديق، فيما تتجه الأنظار إلى المعروض من الأسماك في انتظار انطلاق عملية البيع. مشهد مسائي جديد أصبح جزءاً من الحياة اليومية لسوق السمك بآسفي، بعدما دخل التوقيت المسائي لتسويق مفرغات الصيد التقليدي حيز التنفيذ.
المشهد لا يتعلق فقط بتغيير ساعة افتتاح السوق، بل يعكس تحولاً في طريقة تدبير واحدة من أهم حلقات سلسلة تسويق المنتجات البحرية بالميناء، من لحظة وصول القارب إلى الرصيف، مروراً بالتفريغ والعرض، وصولاً إلى المزاد وتسليم المصطادات إلى مسالكها التجارية.
مع وصول القوارب، تتحول الدقائق إلى عنصر حاسم. فكلما خرجت المصطادات من البحر، أصبح عامل الزمن أكثر أهمية للحفاظ على جودتها وضمان وصولها إلى السوق في ظروف مناسبة.
ومن هنا يأتي التوقيت المسائي الجديد، الذي يتيح استقبال المفرغات خلال الفترة التي تعود فيها قوارب الصيد التقليدي من رحلاتها، بدل أن تبقى عملية التسويق مرتبطة بتوقيت لا ينسجم دائماً مع إيقاع النشاط البحري.
داخل السوق، يتم توجيه المفرغات إلى فضاءات البيع، قبل عرضها أمام المهنيين وإخضاعها للمزاد العلني. التجار يراقبون الجودة والحجم والنوع، والوسطاء يتحركون بين الصناديق، فيما يحاول البحارة ضمان أن تجد مصطاداتهم طريقها سريعاً نحو السوق.
إنها دورة اقتصادية تبدأ من البحر ولا تنتهي عند باب السوق، وذلك باعتماد التوقيت المسائي جاء عقب لقاء تشاوري احتضنه ميناء آسفي، ونظمه المكتب الوطني للصيد بشراكة مع مندوبية الصيد البحري والتجمع المهني البحري بآسفي، بحضور ممثل القطب الإنتاجي بالمكتب الوطني للصيد على المستوى الوطني، ومدير سوق السمك، إلى جانب ممثلي مجهزي مراكب الصيد وربابنتها وعدد من المهنيين وتجار السوق.
وخلال اللقاء، انصب النقاش حول مقترح توحيد توقيت افتتاح السوق مع باقي أسواق السمك بالمملكة، إلى جانب بحث سبل تطوير منظومة تسويق المنتجات البحرية وتحسين ظروف اشتغال مختلف المتدخلين.
ولم يكن الانتقال إلى التوقيت الجديد قراراً معزولاً عن واقع الميناء، بل سبقت دخوله مرحلة تجريبية هدفت إلى اختبار مدى ملاءمته لطبيعة النشاط البحري، وقياس انعكاساته على حركة المصطادات وعملية البيع وظروف اشتغال المهنيين.
الآن، بدأت التجربة تأخذ شكلها الحقيقي على أرض الواقع، فمع كل قارب يصل مساءً، تتجدد عملية الاختبار: هل سيكون التوقيت الجديد أكثر انسجاماً مع مواعيد عودة القوارب؟ هل سيضمن انسيابية أكبر في استقبال المفرغات؟ وهل سيتمكن التجار والمهنيون من التكيف مع الإيقاع الجديد للسوق؟
أسئلة لن تجيب عنها الاجتماعات وحدها، وإنما ستجيب عنها حركة السوق نفسها، وعدد القوارب التي ستستفيد من التوقيت المسائي، وسرعة انتقال المصطادات من الرصيف إلى فضاءات البيع، ثم حجم الإقبال على المزاد.
فالاختبار الحقيقي يبدأ عندما تنطفئ أضواء النهار وتبدأ حركة السوق المسائية، ويراهن القائمون على هذه الخطوة على أن يساهم التوقيت الجديد في تنظيم تدفق المصطادات نحو سوق الجملة، خصوصاً بالنسبة لقوارب الصيد التقليدي، مع منح المهنيين هامشاً زمنياً أوسع لتدبير عملية التسويق وفق خصوصيات نشاطهم ومواعيد عودة القوارب إلى الميناء.
كما يُرتقب أن توفر المرحلة التجريبية معطيات ميدانية تساعد على تقييم التوقيت من حيث انسيابية الاستقبال والعرض والبيع، وجودة الخدمات، وظروف اشتغال البحارة والتجار وباقي المتدخلين.
وفي ميناء آسفي، حيث يرتبط رزق آلاف الأسر بما يخرج من البحر، لا تبدو عقارب الساعة مجرد أرقام على واجهة ساعة السوق.
إنها جزء من دورة اقتصادية تبدأ قبل شروق الشمس على متن قارب صغير، وتمتد إلى ساعات المساء داخل سوق السمك، حيث يتحول جهد البحارة إلى أرقام في المزاد، ثم إلى منتجات تشق طريقها نحو المستهلك.
وبين هدوء البحر عند المساء وصخب المزاد داخل السوق، تبدأ تجربة جديدة في سوق السمك بالجملة بآسفي، ويبقى نجاحها رهيناً بما ستكشفه الأيام المقبلة من قدرة التوقيت الجديد على تحقيق التوازن بين إيقاع البحر ومتطلبات السوق ومصالح مختلف المهنيين.
























































































