منع أي مقابل لفرز الأخطبوط يفتح ملف الممارسات المتوارثة.. فهل تتحول آسفي إلى نموذج لتصحيح مسار أسواق السمك وطنياً؟
في خطوة تحمل أكثر من دلالة، رفعت إدارة المكتب الوطني للصيد بميناء آسفي منسوب الحزم في تدبير سوق السمك بالجملة، بعدما وجهت إنذاراً واضحاً إلى عمال شركة النظافة المكلفين بمهام داخل السوق، مؤكدة منعهم من الحصول على أي مقابل، مالي أو عيني، نظير فرز الأخطبوط أو تقديم أي خدمة مرتبطة بعمليات البيع والمزاد.
القرار، وإن بدا في ظاهره مرتبطاً بتنظيم مهام فئة من العمال، فإنه يفتح في العمق نقاشاً أوسع حول طبيعة بعض الممارسات التي ترسخت داخل أسواق السمك، وحول الحدود الفاصلة بين العرف المهني والمساطر القانونية.
فالمبدأ الذي تكرسه الإدارة في هذه الواقعة واضح: لا يمكن لأي ممارسة متوارثة، مهما طال عمرها، أن تتحول إلى حق مكتسب إذا كانت تتعارض مع القواعد المنظمة لتداول المنتجات البحرية.
وتفيد المعطيات المتداولة بأن النقاش يرتبط، على وجه الخصوص، بكميات من الأخطبوط الناتجة عن عمليات الفرز، وما إذا كان حصول بعض المتدخلين عليها يتم داخل إطار قانوني واضح وموثق، أم خارج المسار الرسمي للبيع والمزاد.
وفي الوقت الذي يتم فيه الحديث عن كون هذه الممارسة «عرفاً قديماً» داخل السوق، فإن الاحتكام إلى القانون يظل الفيصل، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمنتوج بحري يخضع لمساطر دقيقة في الوزن والتصريح والبيع والتتبع.
حين يصبح «العرف» في مواجهة المسطرة
لا خلاف على أن الأسواق المهنية تعرف، بحكم تراكم التجربة، مجموعة من الأعراف والتقاليد التي تسهل أحياناً سير العمل وتنظم العلاقات بين مختلف المتدخلين.
لكن الإشكال يبدأ عندما يتحول العرف إلى قاعدة موازية للقانون، أو عندما يصبح مدخلاً للحصول على منتوج أو مقابل خارج الضوابط الرسمية.
ومن هذه الزاوية، فإن منع عمال الشركات المتعاقدة من الحصول على مقابل من المهنيين لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد إجراء تأديبي، بل كرسالة تنظيمية مفادها أن كل متدخل داخل السوق مطالب بالالتزام بالمهام المحددة له، وأن أي خدمة أو منفعة مرتبطة بالمنتوج السمكي يجب أن تكون مؤطرة بالمساطر المعمول بها.
الأخطبوط ليس «مقابلاً».. والمنتوج لا يحتمل المسارات الرمادية
وتزداد حساسية الموضوع عندما يتعلق الأمر بالأخطبوط، باعتباره من المنتجات ذات القيمة الاقتصادية المهمة، الأمر الذي يجعل عمليات الوزن والفرز والبيع والتصريح والتتبع حلقات مترابطة لا تحتمل كثيراً من المناطق الرمادية.
فإذا ثبت وجود إخراج لمنتوج من مسار البيع الرسمي أو إعادة تداوله خارج القنوات القانونية، فإن الأمر لا يعود مجرد خلاف حول «عرف مهني»، بل يصبح موضوعاً يستوجب التحقق والتدقيق من طرف الجهات المختصة، كل بحسب اختصاصه ومسؤولياته.
وهنا تبرز أهمية عدم الخلط بين الممارسة المتداولة وبين المخالفة المثبتة؛ فكل حديث عن تهرب أو اتجار غير مشروع أو مخالفات مالية يظل رهيناً بما ستثبته عمليات المراقبة والتحقيق والوثائق الرسمية.
المهام واضحة.. فلماذا تختلط الأدوار؟
من المفترض أن تكون الأدوار داخل سوق السمك محددة بدقة.
عامل النظافة مكلف بالمهام المرتبطة بالنظافة والخدمات التي تدخل ضمن اختصاصه، والعامل المكلف بالميزان يتولى الوزن وتسجيل المعطيات وفق المساطر المعتمدة، بينما تظل عمليات البيع والمزاد خاضعة للقواعد والجهات المخولة قانوناً.
وبالتالي، فإن أي خدمة إضافية مرتبطة بالمنتوج لا ينبغي أن تتحول إلى مصدر منفعة شخصية خارج الإطار التعاقدي والقانوني.
الأجر تؤديه الشركة، والمنتوج يخضع للمسطرة، والبيع يتم عبر القنوات الرسمية.
هذه المعادلة، إذا تم احترامها بصرامة، كفيلة بتقليص مساحة التأويل وإنهاء كثير من الممارسات التي قد تجد لنفسها موطئ قدم تحت عنوان «هكذا جرت العادة».
من آسفي إلى باقي الموانئ.. السؤال أكبر من الواقعة
اللافت في هذه القضية ليس فقط القرار المتخذ بميناء آسفي، وإنما ما يمكن أن يترتب عنه مستقبلاً.
فإذا كانت الإدارة قد اختارت وضع حد لممارسة تعتبرها غير منسجمة مع المساطر، فإن السؤال الطبيعي هو: هل ستتوسع عملية المراجعة لتشمل ممارسات مماثلة في باقي أسواق السمك والموانئ وقرى الصيد؟
وهل ستصبح هذه الواقعة مناسبة لإعادة ترتيب العلاقة بين المهنيين والعمال والمتدخلين، وتحديد المسؤوليات بشكل أكثر دقة، وتشديد عمليات التتبع والمراقبة؟
ذلك أن الإصلاح الحقيقي لا يقاس بصرامة قرار واحد، وإنما بمدى استمرارية تطبيقه وتعميمه على الجميع، دون انتقائية أو استثناءات.
الحزم مطلوب.. والاستمرارية هي الاختبار الحقيقي
يحظى أي توجه يرمي إلى تعزيز الشفافية وتنظيم السوق وترسيخ احترام المساطر بأهمية كبيرة، لكن التحدي الحقيقي يكمن في الاستمرارية.
فالممارسات التي تتشكل عبر سنوات لا تختفي بقرار إداري واحد، وإنما تحتاج إلى مراقبة منتظمة، ووضوح في المسؤوليات، وتوثيق دقيق للعمليات، وتدخل حازم كلما ثبت وجود تجاوز.
كما أن حماية حقوق المهنيين والحفاظ على شفافية السوق لا تتحقق فقط بمنع بعض الممارسات، بل أيضاً بضمان تكافؤ القواعد بين مختلف المتدخلين، حتى لا يشعر أي طرف بأن القانون يطبق عليه دون غيره.
هل تتغير القاعدة أم تعود «حليمة» إلى عادتها؟
في نهاية المطاف، تبدو واقعة سوق السمك بالجملة بميناء آسفي أكبر من مجرد إنذار موجه إلى عمال شركة للنظافة.
إنها مناسبة لإعادة طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل حان الوقت لإنهاء كل ممارسة لا تجد سندها في القانون، مهما كانت متجذرة في العرف المهني؟
والسؤال الأهم: هل ستشكل آسفي بداية لمسار وطني لتشديد المراقبة وتوحيد المساطر داخل أسواق السمك والموانئ وقرى الصيد، أم أن الحزم الحالي سيتراجع مع مرور الوقت، فتعود «حليمة» إلى عادتها القديمة؟
الإجابة لن تقدمها البلاغات ولا التصريحات، وإنما الممارسة اليومية داخل الأسواق، وصرامة المراقبة، ونتائج الافتحاص، ومدى تطبيق القانون على الجميع دون استثناء.





















































































