خلف حادث غرق سفينة الشحن السفينة “إم في روبيمار”، في البحر الأحمر ردود فعل دولية حول تداعيات تسرب نحو 280طنا من الوقود و 22الف طن من سماد فوسفات الأمونيوم ، بعدما أعلنت خلية أزمة تابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والمسؤولة عن القضية، “غرق السفينة في وقت متأخر من ليل الجمعة، وسط طقس عاصف فوق البحر الأحمر”، حاملةً معها خطر كارثة بيئية ضخمة.
و يشكل الممر المائي في البحر الأحمر، موردا مهما يعتمد عليه اليمن والعديد من الدول كمصدر للغذاء والدواء والطاقة، وله أهمية اقتصادية كبيرة، باعتباره ممرًا لشحنات البضائع والطاقة المتجهة بين آسيا وأوروبا.
القيادة المركزية الأمريكية، التي تشرف على الشرق الأوسط، حذرت من “كارثة بيئية” قيد التشكل، حيث أن ما ينسكب في البحر الأحمر، يبقى في البحر الأحمر بالنظر الى طبيعته الفريدة.
و يرى الخبراء أن الإزالة الناجحة لشحنة النفط من الناقلة “صافر” في العام الماضي، ربما تكون تنفست معها المنطقة الصعداء، غير أن قصة “روبيمار” ترسم صورة مختلفة، وهي صورة قد تكون مدمرة مثل تلك التي تم تجنبها بصعوبة.
حيث لا يتوقف التهديد على اليمن فحسب، بل يشمل عددًا من البلدان، خصوصًا مع وجود أكثر من 80 محطة تحلية للمياه من البحر الأحمر. فمثلًا على مدى عقود عملت المملكة العربية السعودية على بناء أكبر شبكة من محطات تحلية المياه في العالم، حيث تعتمد مدن بأكملها مثل جدة على هذه المرافق للحصول على جميع مياه الشرب تقريبًا. يمكن أن يسد الزيت أنظمة السحب، ويسبب أضرارًا باهظة لتحويل المياه المالحة.
التقديرات الأولية تفيد بوجود شحنة وقود تقدر بـ”200 طن من المازوت، و80 طنًا من مادة الديزل”، وهو أقل بكثير من تهديد الناقلة صافر البالغ مليون برميل، ولكنه لايزال خطرًا محتملًا للإضرار بالحياة البحرية. حيث تلوث مياه البحر بالمازوت أو الديزل له آثار طويلة المدى على التنوع الحيوي من تلويث الشواطئ المتاخمة والأراضي الرطبة والجزر والبيئات الحساسة، بما في ذلك بيئات المانجروف والطيو رالمهاجرة، ومختلف البيئات الساحلية. فضلًا عن تأثيرها الاقتصادي على مئات الآلاف من السكان الذين يعتمدون على الصيد كمصدر رئيسي للعيش.
الخطر الثاني الذي تحمله “روبيمار”، هو شحنة نحو 22 ألف طن من سماد فوسفات الأمونيوم. في حين أن التهديد المباشر ينبع من البقعة النفطية التي يبلغ طولها 18 ميلًا (30 كيلومترًا)، والتي أكدتها صور الأقمار الصناعية، إلا أن العواقب المحتملة على المدى الطويل تكمن في الأسمدة المغمورة. ويحذر الخبراء من “أزمة بيئية كبرى” إذا لم يتم اتخاذ إجراءات فورية.
يتحدث المهندس الثعلبي عن تلوث مزدوج. فعدا التسرب النفطي، يشكل ذوبان الأسمدة تغييرًا في كيمياء البحر، “زيادة الفوسفات والكبريت وانخفاض الأكسجين وإحداث خلل في التوازن البيئي”. وهذا ينعكس سلبًا على حياة الكائنات البحرية، كما أن تسرب الأسمدة يساعد على نمو وتكاثر الطحالب، التي تستهلك الأكسجين، وتحجب وصول ضوء الشمس إلى الأحياء البحرية.
البحر الأحمر، وهو مصدر حيوي للمأكولات البحرية، وثاني أكبر صادرات اليمن، قبل الحرب، وهو موطن لأكثر من 1200 نوع من الأسماك، 10٪ منها فريدة من نوعها في هذا النظام البيئي. هذه الشبكة المعقدة من الحياة تواجه الآن خطر الاضطراب بسبب الإطلاق المحتمل للأسمدة.
يحذر الدكتور عبدالغني جغمان، وهو خبير في تنمية الموارد الطبيعية، من التداعيات البيئية لغرق السفينة، ويشرح في حديثه لـ”النداء” سيناريوهين محتملين: إذا ظلت السفينة سليمة، فسيكون التحلل بطيئًا؛ أما إذا انكسر الهيكل، فسوف تذوب الأسمدة بسرعة، مما يؤدي إلى إطلاق كميات هائلة من غاز النيتروجين. وهذا بدوره يمكن أن يؤدي إلى نمو مفرط للطحالب، واختناق الحياة البحرية، وتدمير الشعاب المرجانية. سيكون لهذه “المناطق الميتة” آثار متتالية على طول السلسلة الغذائية، مما يؤثر ليس فقط على النظام البيئي، ولكن أيضًا على سبل عيش الآلاف من الصيادين اليمنيين الذين يعتمدون على خيرات البحر الأحمر.
إن الشعاب المرجانية في البحر الأحمر، وهي من أكثر الشعاب المرجانية تنوعًا ومرونة في العالم، معرضة للخطر بشكل خاص. تعتبر هذه الشعاب المرجانية نقطة جذب رئيسية للسياحة والبحث العلمي، وهي تتعرض بالفعل لضغوط بسبب ارتفاع درجات حرارة المياه. وقد تكون إضافة الأسمدة الملوثة بمثابة الضربة القاضية التي تدفعهم نحو الانهيار.
خطر مزدوج على الصيادين
يعتمد عشرات الآلاف من اليمنيين في المجتمعات الساحلية على صيد الأسماك كمصدر رزقٍ أساسي. كارثةٌ بيئيةٌ من شأنها أن تُدمر هذا المصدر، حيث تشكل التهديدات المشتركة للنفط والأسمدة خطرًا مزدوجًا على حياة الصيادين اليمنيين وعائلاتهم. وفي حين أن البقعة النفطية قد تسبب أضرارًا فورية، فإن الآثار الطويلة الأجل للأسمدة على مجموعات الأسماك، يمكن أن تكون مدمرة، مما يؤثر بشكل أكبر على سبل عيشهم المتوترة بالفعل بسبب الحرب الأهلية المستمرة.
وفقًا لإحصائيات الهيئة العامة لحماية البيئة، هناك نحو 80 ألف صياد سيتضررون من تلوث مياه البحر الناجم عن غرق السفينة، هؤلاء يعيلون قرابة نصف مليون نسمة.
لو تم تفريغ حمولة السفينة من سماد فوسفات الأمونيوم قبل غرقها، لكانت الكارثة قد تم تجنبها. لكن الحوثيين ربطوا أية محاولة للإنقاذ بإيقاف الحصار والحرب على قطاع غزة، وفقًا لتغريدة لمحمد علي الحوثي، عضو المجلس السياسي الأعلى، والمقرب من زعيم الجماعة.
تعد الجهود التعاونية التي يبذلها المجتمع الدولي والمنظمات البيئية والسلطات اليمنية، أمرًا بالغ الأهمية لمنع “روبيمار” من أن يصبح رمزًا للتدمير البيئي وضمان استمرار صحة هذا النظام البيئي الثمين.
أزمة متعددة الأوجه
تمتد التكلفة الحقيقية إلى ما هو أبعد من المخاوف البيئية المباشرة، فتشمل مصائد الأسماك المعطلة، وتوقف السياحة، وتعطل التجارة العالمية. يواجه البحر الأحمر، وهو شريان حيوي للتجارة العالمية، موجة جديدة من عدم اليقين، وأزمة متعددة الأوجه ناجمة عن غرق السفينة روبيمار. وفي حين أن التداعيات البيئية كبيرة، فإن التداعيات الاقتصادية، التي غالبًا ما يتم التعتيم عليها، ترسم صورة مثيرة للقلق بنفس القدر.
تلقي حادثة “روبيمار” بظلال طويلة، فهي تهدد بشل صناعات بأكملها، وتفاقم نقاط الضعف الحالية، وتلحق جروحًا عميقة باقتصاد المنطقة الهش بالفعل، وربما تعطيل الاستقرار الاقتصادي العالمي. يمثل تحديد الحجم الدقيق للخسائر الاقتصادية تحديًا مستمرًا، لكن الخبراء يحذرون من تأثير الدومينو على القطاعات الحيوية مثل صيد الأسماك والسياحة والنقل البحري.
صناعة صيد الأسماك التي تمثل شريان الحياة لآلاف الأسر اليمنية في المناطق الساحلية، تواجه خسائر فورية وكبيرة. تقدر السلطات المحلية في محافظة الحديدة أن 60% من الصيادين فقدوا بالفعل سبل عيشهم بسبب هجمات الحوثيين في اليمن البحر الأحمر، لكن هذا الرقم لا يرسم سوى صورة جزئية. كما أن غرق السفينة روبيمار، مع احتمالية إنشاء مناطق ميتة واسعة، يزيد من تعريض قدرتهم على صيد الأسماك والحفاظ على مجتمعاتهم للخطر، كما يقول رئيس الهيئة العامة لحماية البيئة.
لا يقتصر التأثير على الاقتصادات المحلية والإقليمية فحسب، فالبحر الأحمر يعد شريانًا مهمًا للتجارة العالمية، حيث ينقل ما يقرب من 12% من حركة المرور البحرية في العالم. أدى غرق السفينة “روبيمار”، إلى جانب هجمات الحوثيين المستمرة على السفن، بالفعل إلى قيام شركات الشحن بتحويل مساراتها، مما يؤدي إلى رحلات أطول، مما زاد من الاختناقات الحالية المرتبطة بالوباء والاضطرابات الناجمة عن الحرب في أوكرانيا.
يمكن أن تؤدي شبكة العوامل المعقدة هذه إلى أقساط تأمين أعلى، وتأخير الشحن، وفي نهاية المطاف، المساهمة في التضخم العالمي. حيث يُترجم تحويل حركة المرور إلى ارتفاع تكاليف النقل للسلع والخدمات، مما يزيد من العبء على الشركات والمستهلكين على حد سواء.
يرسم مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) صورة مثيرة للقلق، إذ أشارت التقارير إلى انخفاض بنسبة 40% في حركة المرور التجارية عبر قناة السويس في الشهرين الماضيين. ويُعَد هذا الانخفاض مؤشرًا صارخًا على التأثير المضاعف الذي لحق بالحركة التجارية عبر قناة السويس. تؤثر الاضطرابات التي يشهدها البحر الأحمر على التجارة العالمية.
المشهد السياسي المعقد والصراع المستمر يجعل من إيجاد حل دائم أمرًا صعبًا ، ما قد يؤدي إلى عواقب بعيدة المدى، ليس فقط على المنطقة، بل على الاقتصاد العالمي أيضًا.






















































































