المغرب الأزرق
ضحى زين الدين -جريدة الصباح
مشروع مرسوم يشرعن تشغيل الأجانب على البواخر المغربية مقابل تهميش الكفاءات المغربية
بعد رحلة شاقة وسط بحار الاحتجاجات التي تنتهي أحيانا بمد ينقل السفينة إلى بر الحوارات وتنتهي أحيانا أخرى بوضع السفينة في مرمى أمواج عواصف بحرية تغرقها في الاعتصامات. بعد كل هذا المد والجزر في قضية “مغربة الأطر” على السفن والبواخر المغربية خرجت وزارة الفلاحة والصيد البحري بقرار يجهض قانون صدر قبل خمسين سنة وأجهض قبل تنفيذه على سطح السفن المغربية التي يقودها ويسوسها أجانب.
الباخرة قطعة من التراب الوطني، لذلك تلزم كل واحدة في العالم بأسره برفع العلم الوطني لبلادها، لأنها جزء من سيادة هذه البلاد. بهذه المقدمة يجرك رئيس الجمعية المغربية لربابنة صيد الرخويات، سعيد زرهون إلى الخوض في ملف تبنته نقابات وجمعيات الصيد البحري منذ عشرات السنين، وذادت عنه كما يذود الجندي عن تربة بلاده، قبل أن يضيف بلهجة المتمسك بآخر خيوط الأمل، أن مرسوما جديدا أصدرته وزارة الفلاحة والصيد البحري وصادقت عليه غرف الصيد، سيسقط قانون الحسن الثاني حول “مغربة الأطر” في البواخر والسفن المغربية، كما هو جار في العالم بأسره، وهو القانون الذي لم يكتب له التطبيق الكامل أبدا، “رغم خوضنا عدة احتجاجات، ورغم تأكيدنا أن الموضوع حمال عدة أوجه”.
الوجوه الثلاثة…
أول هذه الأوجه التي يتخذها قانون مغربة الأطر المغربية على ظهر بواخر السفن المغربية يتجلى في الجانب سياسي، فكما “قلت القانون يؤكد أن الباخرة قطعة من التراب الوطني، وهنا إشارة واضحة إلى السيادة الوطنية، خاصة أن القبطان يلعب عدة أدوار على ظهر السفينة فهو يزوج ويطلق، يصادق على عقود رسمية ولديه صلاحيات رجل الأمن والقاضي، وهذه كلها مهام تفرض أن تكون جنسيته مغربية” يسجل زرهون.
الوجه الثاني لمغربة الأطر على ظهر السفن اقتصادي محض لأن “الربابنة والضباط الآلاتيون الأجانب يتقاضون أجورهم بالعملة الصعبة”، وهو ما يعتبر حسب الجمعيات المدافعة عن مغربة أطر البواخر، “استنزافا لاحتياطي المملكة من العملة في ظل الأزمة الاقتصادية”، خصوصا إذا علمنا، يقول زرهون، أن “كفاءة الربان المغربي وتفوقه على الربان الأجنبي أصبحت واقعا ملموسا لا ينكره إلا جاحد بالنظر إلى الكميات المصطادة والمفرغة في جميع الموانئ المغربية بشهادة وزارة الصيد البحري ومندوبياتها، بل إن شركة “مارونا” بأكادير تعتبر من أحسن شركات الصيد من حيث المردودية، وهي الشركة التي كانت السباقة إلى مغربة أطقمها مائة في المائة منذ 2004″. والغريب، يقول المتحدث نفسه أن أجور الأجانب أعلى من أجور المغاربة، إذ يحظون بنسبة 7 في المائة من المردود، فيما لا يحظى المغاربة إلا ب3 في المائة. ملقيا الضوء على جانب آخر يهم الحفاظ على الثروة الوطنية من الأسماك، “فقدرة الربان المغربي على الجمع بين الواجب الوطني بالحفاظ على الثروات السمكية والواجب المهني تجاه المستثمر بضمان مردودية جيدة، هما عاملان أساسيان للاستدامة، عكس الربان الأجنبي الذي لا يهمه سوى الربح السريع”.
الوجه الاجتماعي للملف، يبرز أكثر في شرح زهرون الذي قال إن المستوى الاجتماعي لأزيد من 2000 أسرة سيتحسن بمجرد تطبيق القانون، لأن “ذلك سيؤدي إلى التخفيف من ظاهرة البطالة المتفشية بشكل خطير في صفوف الضباط، خصوصا إذا علمنا أن حوالي مائة ضابط بين شعبتي السطح والآلة يتخرجون كل سنة من المعاهد السبعة بالمملكة، لينضافوا إلى طابور العاطلين مع محدودية وحدات الصيد بأعالي البحار أو الساحلي”، مضيفا أن مغربة كل سفينة يحسن من وضع سبعة ضباط مغاربة.
الحاجة الملغاة…
حاجة المغرب إلى ربابنة وضباط آلاتيين وضباط صف وغيرها من هذه الاختصاصات، كان ضروريا في مرحلة لم تكن فيها البلاد تتوفر على خبرة في المجال، وكان ضروريا «الاستعانة بالأجانب للإقلاع بهذا المجال»، يسجل زرهون. لكن «الواقع اليوم تغير» يقول المتحدث ذاته.
ملامح هذا التغيير بدأت تتشكل في بداية الثمانينات، وهي الفترة التي بدأ أول أفواج ضباط الصف وضباط البحرية تتخرج، وانتقل عدد المدارس من واحدة بالعاصمة الاقتصادية إلى سبعة تتمركز على وجه الخصوص بالحسيمة والعرائش وآسفي وأكادير وطانطان والعيون ثم الداخلة، فيما تخصصت مدرسة الدار البيضاء في تكوين البحارة، إضافة إلى مدارس أخرى في عدة مدن لها التخصص نفسه. عدد المتخرجين سنويا من معاهد ومدارس تكوين ضباط الصف والضباط والضباط الآلاتيين يتجاوز 700 ضابط صف وضابط آلاتي، منهم الذين قادوا كبريات شركات الصيد إلى تحقيق النجاح.
إذا حضر الماء يبطل التيمم، تصلح هذه المقولة لإفشال أي محاولة لسن قانون جديد لشرعنة تشغيل ربابنة وضباط آلاتيين أجانب، وإهمال الكفاءات المغربية، فالعيون التي نضبت في الستينات ودعت الضرورة إلى استخدام تيمم الأجانب، تفجرت اليوم سيولا، بعد أن تخرج مئات المغاربة في هذا التخصص، وبرعوا فيه، بل إنهم تفوقوا على الأجانب بشهادة عدة شركات «أدرك ذلك الوزراء المتعاقبون على وزارة الصيد، لذلك فإنهم شرعوا في التطبيق التدريجي للقانون، وحددت بنهاية سنة 2008 أجلا لتنفيذه بشكل نهائي، ثم سنة 2012، إلا أنه ظل هناك ارتباك في التطبيق، إلى أن فوجئنا بالقرار الجديد الذي سيشرعن بقاء الأجانب، بل تعويض الكفاءات المغربية بأجانب دون مبرر واضح» يقول المسؤول النقابي نفسه.
























































































