مع اقتراب الاستحقاقات المهنية المقبلة، يعود النقاش إلى الواجهة حول مستقبل غرف الصيد البحري بالمغرب وجامعتها، في ظل التحولات العميقة التي يعرفها قطاع الصيد البحري وما يرتبط به من أنشطة اقتصادية واجتماعية واستثمارات استراتيجية. كما يطرح هذا الاستحقاق سؤالاً محورياً حول طبيعة الأدوار التي ينبغي أن تضطلع بها جامعة غرف الصيد البحري خلال المرحلة المقبلة، في عالم بحري يشهد تغيرات متسارعة لم تعد تسمح بالاستمرار في أساليب العمل التقليدية.
وإذا كانت غرف الصيد البحري تتوفر على إطار قانوني ودستوري واضح باعتبارها مؤسسات استشارية وتمثيلية للمهنيين على المستوى الجهوي، فإن جامعة غرف الصيد البحري، التي تضم الغرف الأربع( المتوسطية، والأطلسية الشمالية، والأطلسية الوسطى، والأطلسية الجنوبية)، لا تزال تطرح العديد من التساؤلات بشأن موقعها الحقيقي داخل المنظومة البحرية الوطنية، ومدى قدرتها على إنتاج قيمة مضافة تتجاوز الأدوار التي تؤديها الغرف الجهوية.
فمنذ تأسيسها، ظلت الجامعة تؤدي دوراً تنسيقياً مهماً بين مختلف الغرف، غير أن حصيلتها لم ترتق بعد إلى مستوى مؤسسة وطنية قادرة على توحيد الرؤى الاستراتيجية للقطاع وصياغة المبادرات الكبرى والترافع بشأن القضايا المصيرية التي تواجه الصيد البحري المغربي. وفي كثير من الأحيان، بدا أن النقاشات التي تحتضنها الجامعة لا تختلف كثيراً عن تلك التي تشغل الغرف الجهوية، الأمر الذي دفع البعض إلى وصفها بـ”الغرفة الخامسة”، في إشارة إلى محدودية التمايز بين أدوارها وأدوار مكوناتها.
غير أن التحديات التي تواجه قطاع الصيد البحري اليوم لم تعد تسمح بهذا النوع من الأدوار التقليدية. فالعالم يشهد تحولات كبرى مرتبطة بالتغيرات المناخية، واستدامة الموارد البحرية، والأمن الغذائي، والاقتصاد الأزرق، والانتقال الطاقي، والرقمنة، والاتفاقيات التجارية الدولية، فضلاً عن المنافسة المتزايدة على الموارد والأسواق. وهي ملفات تتجاوز بكثير حدود التدبير المحلي أو الجهوي، وتفرض وجود مؤسسات مهنية قادرة على التفكير الاستراتيجي والتأثير في دوائر القرار الوطنية والدولية.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: ما الذي يمنع جامعة غرف الصيد البحري من التحول إلى مؤسسة وطنية للخبرة البحرية والترافع الاستراتيجي؟
قد يكون جزء من الجواب مرتبطاً بطبيعة مكوناتها نفسها. فالجامعة تتشكل من غرف جهوية تضطلع أساساً بأدوار استشارية وتمثيلية يحددها القانون، وتواجه بدورها تحديات مرتبطة بالإمكانات والاختصاصات. وربما انتقلت بعض هذه المحددات إلى الجامعة، مما جعلها تميل إلى إعادة إنتاج نفس المقاربات والاهتمامات بدل تطوير وظائف جديدة تتلاءم مع طبيعتها الوطنية وموقعها المفترض داخل المنظومة المهنية.
غير أن المرحلة المقبلة تفرض تجاوز هذا الوضع. فالجامعة مطالبة اليوم بأن تصبح فضاءً وطنياً لإنتاج الأفكار والدراسات والمقترحات، وأن ترسخ لنفسها مكانة اعتبارية تتناسب مع حجم القطاع الذي تمثله، ومع الكفاءات والخبرات المتوفرة داخل هياكلها. كما أنها مطالبة بالانتقال من منطق تدبير الملفات اليومية إلى منطق استشراف المستقبل، عبر المساهمة في بلورة السياسات القطاعية، واقتراح الحلول للتحديات البنيوية التي تواجه الصيد البحري المغربي.
ولعل من بين المهام التي يمكن أن تضطلع بها الجامعة مستقبلاً، إحداث مراكز للتفكير والخبرة البحرية، وإنجاز الدراسات الاستراتيجية، وإصدار تقارير دورية حول أوضاع المصايد والأسواق والتحولات المناخية وتأثيراتها على الاقتصاد البحري. فالمهنيون اليوم بحاجة إلى مؤسسة تنتج المعرفة بقدر حاجتهم إلى مؤسسة تدافع عن مصالحهم.
وتزداد أهمية هذا التحول بالنظر إلى المكانة البحرية التي يحتلها المغرب، باعتباره أحد أبرز البلدان الإفريقية والمتوسطية في مجال الصيد البحري وتثمين المنتجات البحرية. فمثل هذه المكانة تفرض وجود مؤسسة مهنية قوية قادرة على تمثيل المهنيين المغاربة في المنتديات الإقليمية والدولية، والمشاركة في المؤتمرات والهيئات المعنية بالمحيطات والاستدامة والتجارة البحرية والأمن الغذائي.
كما أن الجامعة مدعوة إلى تطوير شراكات استراتيجية مع المنظمات الدولية والهيئات المهنية العالمية ومراكز البحث والجامعات، بما يمكنها من استقطاب الخبرات والتجارب الناجحة ونقلها إلى القطاع الوطني. فالرهانات المستقبلية للصيد البحري لم تعد تُحسم فقط داخل الموانئ أو الإدارات الوطنية، و إنما تناقش أيضاً داخل المؤسسات الدولية والمنتديات الأممية والهيئات المتخصصة في المحيطات والمناخ والتجارة والاستدامة.
وفي السياق نفسه، يمكن للجامعة أن تلعب دوراً محورياً في دعم الدبلوماسية البحرية المغربية، من خلال الانفتاح على الفضاءات الإفريقية والعربية والمتوسطية، وتعزيز التعاون جنوب-جنوب، ومواكبة القضايا المرتبطة بالسيادة البحرية والاقتصاد الأزرق والاستثمار البحري. فالمهنيون المغاربة بحاجة إلى صوت قوي ومؤثر داخل دوائر النقاش الدولية، قادر على نقل انشغالاتهم والدفاع عن مصالحهم والمساهمة في صياغة التصورات المستقبلية للقطاع.
كما تستدعي المرحلة المقبلة إيلاء أهمية أكبر للبحث العلمي والابتكار والتكوين المستمر، عبر بناء جسور التعاون مع المعاهد والجامعات ومراكز الخبرة الوطنية والدولية، وتطوير آليات الرصد والاستشراف، بما يساعد على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم البحري.
إن الاستحقاقات المهنية المقبلة لا ينبغي أن تقتصر على التنافس حول المقاعد والمسؤوليات، بل يفترض أن تشكل مناسبة لإطلاق نقاش حقيقي حول المشروع المستقبلي لجامعة غرف الصيد البحري. فالتحدي اليوم ليس فقط من سيقود الجامعة، بل أي جامعة يحتاجها القطاع خلال العقد المقبل.
لقد نجحت غرف الصيد البحري، خلال العقود الماضية، في ترسيخ حضورها كمؤسسات تمثيلية واستشارية للمهنيين على المستوى الجهوي، غير أن التحولات التي يشهدها العالم البحري اليوم تفرض التفكير في مرحلة جديدة تتجاوز حدود الاستشارة والتدبير المحلي نحو صناعة الرؤية والتأثير والترافع الدولي.
فالمغرب، الذي يتوفر على واحدة من أكبر الواجهات البحرية في إفريقيا والعالم العربي، ويطمح إلى ترسيخ موقعه كقوة بحرية واقتصاد أزرق صاعد، يحتاج إلى جامعة لغرف الصيد البحري لا تكتفي بتنسيق المواقف بين الغرف الأربع، بل تتحول إلى بيت خبرة وواجهة للدبلوماسية المهنية البحرية، وقوة اقتراحية قادرة على استشراف المستقبل ومواكبة التحولات العالمية.
وعندما تفتح صناديق الاقتراع المهنية أبوابها خلال المرحلة المقبلة، فإن السؤال الحقيقي لن يكون من سيفوز برئاسة الجامعة، بل ما إذا كانت الجامعة نفسها مستعدة للانتقال من منطق التسيير إلى منطق القيادة، ومن تدبير الملفات اليومية إلى صناعة مستقبل القطاع البحري المغربي.
هناك فقط ستصبح الجامعة مؤسسة وطنية ذات أثر، لا مجرد امتداد تنظيمي للغرف الجهوية، بل و فاعلاً استراتيجياً يواكب مكانة المغرب البحرية وطموحاته الإقليمية والدولية.
كتبها للمغرب الأزرق الأستاذ حاميد حليم
∗المستشار في الإعلام البحري و التواصل و عضو المرصد الاعلامي للصيد المستدام و الاقتصاد الازرق بأفريقيا.
∗عضو لجنة الخبراء لصياغة “بوصلة افريقيا الزرقاء ABC” المبثقة عن قمة افريقيا الزرقاء BLUE ARFICA SUMMIT.























































































