يشكل قرار البرلمان الإسباني القاضي بمنح الجنسية الاسبانية للصحراويين المزدادين خلال فترة الاستعمار الإسباني للصحراء محطة جديدة تستحق التوقف عندها، ليس فقط من زاوية قانونية أو إنسانية، بل باعتباره حلقة ضمن مسار طويل من السياسات الإسبانية تجاه الصحراء المغربية.
ففي الوقت الذي تعلن فيه مدريد رسمياً دعمها لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تفتح في المقابل نافذة جديدة للتأثير داخل الملف، عبر تجنيس فئة من الصحراويين الذين ولدوا خلال الحقبة الاستعمارية، سواء كانوا اليوم في الأقاليم الجنوبية للمملكة أو في مخيمات تندوف. وهو قرار يثير تساؤلات حول ما إذا كان الأمر يتعلق بتسوية وضعية قانونية لفئة من الأشخاص، أم أنه يمنح لإسبانيا مستقبلاً أدوات جديدة للتأثير السياسي والضغط الدبلوماسي في أحد أكثر الملفات حساسية في المنطقة.
هذه المقاربة ليست جديدة في التاريخ الاستعماري. فمنذ القرنين التاسع عشر والعشرين، اعتمدت القوى الاستعمارية في كثير من مناطق العالم سياسة النفاذ عبر حماية الأقليات، أو منح امتيازات قانونية لفئات محددة، بما يسمح بالحفاظ على نفوذ دائم حتى بعد انتهاء الاحتلال العسكري. وفي الحالة الصحراوية، سلكت إسبانيا النهج نفسه عندما كانت تتفاوض مباشرة مع بعض القبائل الصحراوية لإقامة المراكز التجارية وتأمينها، في محاولة لبناء علاقة مباشرة مع المجال الصحراوي بعيداً عن السلطة المركزية المغربية.
ورغم انسحابها من الصحراء بموجب اتفاقية مدريد سنتي 1975 و1976، فإن كثيراً من المؤشرات توحي بأن السياسة الإسبانية لم تنقطع عن البحث عن وسائل جديدة للحفاظ على حضورها داخل هذا الملف، ولو بوسائل مختلفة عن الاحتلال المباشر. وهو ما يفسر استحضار المغفور له الملك الحسن الثاني، في أكثر من مناسبة، أن التحدي الحقيقي الذي يواجه المغرب في هذا الملف لا يقتصر على الجزائر وحدها، بل يرتبط أيضاً بالدور الإسباني التاريخي.
وتكشف وثائق دبلوماسية إسبانية، جرى نشرها في السنوات الأخيرة، جانباً آخر من الحسابات الجيوسياسية لمدريد خلال ستينيات القرن الماضي. فقد كانت إسبانيا، وفق وثائق الأمم المتحدة ووزارة الخارجية الإسبانية، تخشى قبل كل شيء إدراج جزر الكناري ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، إلى جانب الصحراء وسيدي إفني وغينيا الإسبانية. لذلك انتهج نظام فرانكو سياسة إنكار الصفة الاستعمارية للجزر، واعتبرها “مقاطعات إسبانية”، تفادياً لإخضاعها لمسار تصفية الاستعمار داخل الأمم المتحدة، وهو ما وثقه الباحث الإسباني دومينغو غاري في كتابه La ONU, Canarias y las descolonizaciones africanas، اعتماداً على أرشيف الأمم المتحدة ووزارة الخارجية الإسبانية. هذا التخوف من الملف الكناري ظل حاضراً في التفكير الاستراتيجي الإسباني لعقود، ويشكل أحد مفاتيح فهم كثير من خيارات مدريد في ملفات غرب إفريقيا، ومنها الصحراء المغربية.
ومن زاوية أخرى، فإن مشروع تجنيس الصحراويين يذكر أيضاً بما يمكن وصفه بسياسة الهندسة الديموغرافية التي اعتمدتها الإدارة الاستعمارية الإسبانية خلال العقود الأخيرة من وجودها بالصحراء، حين شجعت انتقال آلاف الكناريين نحو الضفة الشرقية بالصحراء على مدى 30 سنة(1940-1970)،حيث قفزت أعداد الجالية الاسبانية بالصحراء من 4000 نسمة الى 15000 نسمة في السبعينات،ما شكل “جيوبا مهنية” مهنية معزولة عن المحيط الاجتماعي المحلي (المعهد الوطني للصناعة (INI، في محاولة لترسيخ الوجود الإسباني وإحكام السيطرة على الموارد الطبيعية.
فالواقع التاريخي يكشف أن المشروع الاستعماري الإسباني لم يكن ينظر إلى الصحراء باعتبارها فضاءً لتنمية الإنسان الصحراوي، وإنما باعتبارها قاعدة لاستخراج الثروات. فقد ظل الفوسفاط والثروة السمكية والمعادن هي الأولوية المطلقة للإدارة الاستعمارية، بينما بقيت البنية التحتية المحلية محدودة للغاية، خاصة في الموانئ، حيث لم تتطور موانئ العيون أو الداخلة أو الكويرة بما يتناسب مع حجم الثروات المستغلة، لأن معظم الموارد كانت تنقل مباشرة نحو جزر الكناري ومنها إلى إسبانيا.أما السكان الصحراويون، فقد عاش قسم كبير منهم في تجمعات هامشية تفتقر إلى أبسط شروط العيش الكريم، بعيداً عن مراكز القرار والخدمات، فيما اختار آخرون حياة الترحال، وهو ما تؤكده العديد من الدراسات التاريخية الخاصة بفترة الاستعمار الإسباني.
وفي المقابل، تحولت جزر الكناري إلى المنصة اللوجستية الرئيسية لهذا الاقتصاد الاستعماري؛ فمنها كانت تدار عمليات التموين، والتسويق، والصيانة، والتحويل الصناعي، بينما بقيت الصحراء مجرد فضاء لاستخراج الموارد.
غير أن هذه المعادلة تغيرت جذرياً بعد استرجاع المغرب لأقاليمه الجنوبية. فبموجب اتفاقية مدريد انتهى النظام الاستعماري القديم ، وبدأت الرباط في إعادة بناء منظومة جديدة لإدارة المجال البحري . وكانت أولى نتائج هذا التحول فقدان الصيادين الكناريين لامتيازاتهم التاريخية داخل “البنك الصحراوي السمكي”، بعدما أصبح الولوج إلى هذه المياه خاضعاً لاتفاقيات ثنائية وشروط سيادية جديدة .وزاد الوضع تعقيداً خلال السنوات اللاحقة العمليات الإرهابية التي كانت تشنها جبهة البوليساريو على مراكب و سفن الصيد منذ سنة 1976 وحتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي، وأودت بحياة عشرات الصيادين المغاربة والكناريين، وهو ما خلف أثراً عميقاً في الذاكرة الجماعية بجزر الكناري وولد حالة من الغضب الشعبي بكناريا ،و نمى الإحساس بالقهر و الرغبة في الانفصال عبرت عنها فصائل نقابية و سياسية كحركة UPC.
انضمام إسبانيا إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية سنة 1986، عقد كثيرا من وضع الصيادين الكناريين، بعدما فقدت حكومة مدريد عملياً صلاحية التفاوض المباشر حول اتفاقيات الصيد مع المغرب، و انتقل الاختصاص الى المفوضية الأوروبية. وهكذا وجد الأسطول الكناري نفسه يفقد تدريجياً هامش المناورة الذي كان يتمتع به لعقود.
ولا يمكن فهم هذه التطورات دون العودة إلى السياسة التي انتهجها نظام فرانكو خلال العقود السابقة، عندما فتح مصايد الصحراء أمام عدد كبير من الأساطيل الأجنبية، القادمة من الاتحاد السوفياتي السابق، والصين، وكوريا، وكوبا، ومصر، ويوغوسلافيا، وإيطاليا، وجنوب إفريقيا، واليابان وغيرها. وقد وفر هذا الانفتاح الهائل امتيازات اقتصادية لدول عديدة، على حساب مصالح الصيادين الكناريين ، حيث حذرت العديد من الأصوات من تراجع المخزون و ممارسات الصيد الجائر، بما فيها تقارير جبهة تحرير الساقية الحمراء (منشورات 20ماي سنة 1973) مقابل كسب مواقف سياسية أكثر مرونة تجاه استمرار الوجود الإسباني في الصحراء، وفي الوقت نفسه تجنب إثارة ملف جزر الكناري داخل الأمم المتحدة. وكانت الخزينة الإسبانية المركزية هي المستفيد الأكبر من هذا الاستغلال المكثف للثروات البحرية والمعدنية، في حين بقيت الصحراء نفسها خارج أي مشروع تنموي حقيقي.
ولاحقاً، ومع كل مفاوضات الصيد التي كان المغرب يجريها مع الاتحاد الأوروبي، برزت إسبانيا، عبر حكوماتها الجهوية ولوبياتها الاقتصادية والإعلامية ، باعتبارها الطرف الأكثر نشاطاً في الضغط من أجل الحفاظ على مصالح أساطيلها، خاصة في جزر الكناري، التي ظلت لسنوات إحدى أهم الحواضن السياسية والإعلامية الداعمة لأطروحة البوليساريو.
كما يلاحظ أن عدداً من الدول التي استفادت تاريخياً من استغلال الثروات البحرية للصحراء المغربية، مثل إسبانيا والبرتغال وجنوب إفريقيا وكوبا، تبنت لاحقاً مواقف سياسية متطرفة من الرؤية المغربية، وهو ما يطرح تساؤلات حول العلاقة بين المصالح الاقتصادية القديمة والمواقف السياسية الراهنة.
غير أن المغرب، خلال العقدين الأخيرين، انتقل إلى مرحلة مختلفة تماماً و من مستوى آخر اعتمد تنويع الشراكات و الشركاء و خلق توازنات مع القوى العظمى كالولايات المتحدة الامريكية و الصين و روسيا، و التحلل من الاتحاد الاوربي. حيث عمل على توسيع منطقته الاقتصادية الخالصة، ورسم حدوده البحرية، وعزز حضوره الأمني والقانوني في مجاله البحري، وأغلق العديد من المنافذ التي كانت تستغلها شبكات التهريب والجريمة المنظمة، كما عاد بقوة إلى الاتحاد الإفريقي، قبل أن يطلق جلالة الملك محمد السادس المبادرة الأطلسية التي تفتح منفذاً استراتيجياً لدول الساحل نحو المحيط الأطلسي عبر ميناء الداخلة الأطلسي والمشاريع الكبرى المصاحبة له. لينقل الصحراء من مجرد فضاء حدودي أو منطقة نزاع سياسي، الى محوراً لمشروع جيوسياسي واقتصادي جديد يعيد رسم موازين القوى في غرب إفريقيا.
ومن هنا يمكن فهم جانب من التحفظ الذي تبديه بعض الأوساط الإسبانية تجاه هذا التحول. فتنمية الصحراء المغربية، وتحولها إلى قطب لوجستي وتجاري ومينائي، تعني بالضرورة إعادة توزيع أدوار كانت تؤديها جزر الكناري لعقود طويلة. كما أن المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب، من ميناء طنجة المتوسط إلى ميناء الناظور غرب المتوسط، ثم ميناء الداخلة الأطلسي، تقلص تدريجياً من الامتيازات اللوجستية التي كانت تتمتع بها جزر الكناري، تماماً كما تقلصت في السابق الأدوار الاقتصادية التقليدية لسبتة ومليلية بعد إغلاق منافذ التهريب المعيشي وإعادة هيكلة المبادلات التجارية.
ولذلك، فإن فهم التحولات الجارية في ملف الصحراء لا يكتمل بالنظر إلى البعد السياسي وحده، بل يقتضي أيضاً قراءة التنافس على الموانئ، والممرات البحرية، والارصدة السمكية، وسلاسل الإمداد، باعتبارها عناصر لا تقل أهمية عن الاعتبارات الدبلوماسية والقانونية في تفسير مواقف الفاعلين الإقليميين والدوليين.
كتبها للمغرب الأزرق الأستاذ حاميد حليم
*المستشار في الاعلام البحري و التواصل.
*عوض المرصد الإعلامي للصيد المستدام و الاقتصاد الأزرق بأفريقيا.






















































































