يعود محمد الزبدي – الكاتب والمفكر والمثقف والمستثمر في الصيد البحري والصناعات السمكية – ليطل علينا بمثال بديع نشره موقع “مغرب انتليجنس” ليس كناقد أو ككاتب رأي كما عهدناه ، بل كـ “شاهد على العصر”؛ عصر التنمية في الصحراء المغربية مستعيداً تجربة استثمارية عايش تفاصيلها منذ بداياتها، وأسهم من موقعه المهني في تشكيل بعض ملامحها، وهو نفس الزمن التنموي الذي طوّر فيه استثماراته من بدايات استثمارية محدودة حتى أصبح أحد المستثمرين البارزين بالجهات الجنوبية للصحراء المغربية.
محمد الزبدي في مقاله يعتبر أن المستقبل لا يُبنى من فراغ، هو تراكم وامتداد لخط زمني له بداية كما له نهاية، وقد تكون النهاية بداية و ولادة لحياة جديدة. كما هو الشأن بالنسبة لمبادرة الحكم الذاتي التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس قبل عقدين؛ فهي لم ولن تُسطر خططها على صفحات بيضاء ناصعة، بل تُشيد على ركام تجارب متراكمة، واقتصاد عريق، واستثمارات ميدانية دافعت عن بقائها في أقسى الظروف.
صورة يختزل فيها المستثمر والكاتب محمد الزبدي خلاصة ثلاثة عقود من العمل المستمر في مدينة الداخلة؛ قضاها بين نجاحات وإخفاقات، ولحظات حماس كادت أن تخفت لولا اليقين الراسخ بمستقبل هذه الربوع من الصحراء المغربية، ليكون بحق شاهداً لا ينظر إلى التنمية من برج عاجي للتنظير، و إنما من موقع الممارسة والاستثمار المباشر.
يستعيد محمد الزبدي شريط الذكريات ليقرب القارئ من صورة الداخلة بالأمس واليوم؛ مدينة كانت حتى الأمس القريب أسيرة لتقلبات مواسم الصيد البحري العشوائي والظرفي. ليتحول المشهد تدريجياً وبفضل جهود استثمارية جادة إلى قطب صناعي تنبض فيه الحياة: مصانع تُشيَّد، مهن مستحدثة ترى النور، أجيال من التقنيين والمهندسين تُكوَّن في عين المكان، وأسر وجدت في هذه الأرض مستقراً لها ومستقبلاً لأطفالها.
من هنا يتألق البعد الاجتماعي كأحد أبرز مكاسب هذه المسيرة؛ إذ تحولت الاستثمارات من مجرد أرقام صماء في الإحصائيات إلى رافعة للنمو الديموغرافي، ومؤشر ساطع على الجاذبية والاستقرار العائلي، وحاضنة للتعايش والاندماج والتصاهر بين مختلف المكونات. لقد أثمرت هذه الدينامية عن توسيع النسيج العمالي، وتوليد فرص شغل حقيقية ومؤهلة، وبناء نسيج مجتمعي متماسك جعل العائلات تختار الاستقرار هنا، لتستثمر مصيرها ومستقبلها محلياً.
لكن هذه المسيرة الطويلة –كما يرصدها محمد الزبدي– قدمت درساً مركزياً يختصر الكثير من عثرات التسيير:
“إن تشجيع الاستثمار أسهل بكثير من ضمان انسجام القرارات التي تجعله قابلاً للاستمرار على المدى البعيد.”
ومن هنا تبرز أهمية ربط الحكم الذاتي في أبعاده المؤسساتية ببُعده الاقتصادي والاجتماعي الحقيقي، حتى لا تولد المؤسسات الجديدة محكومة بنفس التبعيات والشكوك القديمة.
ففي تحليل شجاع حول “الثروة السمكية” التي تحتضنها الداخلة، يرفض الكاتب لغة التفاؤل المفرط التي تتجاهل حقائق البيئة. حيث الثروة السمكية و إن كانت تمثل مورداً اقتصادياً مهماً، فإنها تبقى مقيدة بحدود بيولوجية وشروط تجدد طبيعية.
“إن تضخيم الطلبات ، وتقديم التبريرات الاجتماعية الفضفاضة، لن ينجح في خلق كيلوغرام واحد إضافي من الأسماك خارج الميزان البيولوجي الدقيق الذي تفرضه الطبيعة.”
ولهذا يلح الكاتب على ضرورة أن يتصدر العلم واجهات القرار الاقتصادي، لا أن يكون أداة لشرعنة وتبرير قرارات مسبقة. حيث يبرز شق الأمن الغذائي باعتباره ركناً لا محيد عنه في معادلة الاستثمار والاستغلال؛ فالتوازن بين تزويد السوق الوطنية، والحفاظ على المخزون السمكي، وتلبية متطلبات التصدير والصناعة التحويلية، يفرض حتمية المفاضلة الرشيدة.
فالأمن الغذائي هو جزء صميم من الأمن القومي للبلد، وهو التزام وطني وأخلاقي يربط حاضر الأجيال بمستقبلها، مما يجعل تقنين الاستغلال وحمايته ضرورة بقاء لا رفاهية تشريعية.
ويؤكد الكاتب بمنطق الميدان أن “الرضا الجماعي المطلق وهم تنموي”، وهو ما عبر عنه بـ “مأزق الوعود المشتتة”. فالمورد المحدود يفرض مفاضلات حتمية، غير أن ما يعاب على السياسات العمومية اليوم –حسب الزبدي– ليس في اتخاذ القرار الصعب، بل في غموضه وافتقاره للمعايير المستدامة، حيث يصبح معايير القيمة المضافة الحقيقية هو العائد الذي يخلقه الكيلوغرام الواحد من ثروة، وتشغيل، وأمن غذائي، ومهارات تبقى وتترسخ في المنطقة.
محمد الزبدي، ومن موقع المستثمر الذي خبر تقلبات السوق وعناد الطبيعة، يوجّه رسالة واضحة حول مناخ الأعمال واستقرار القواعد:
“المقاول يتقبل المخاطر التجارية والمناخية، لكنه يقف عاجزاً أمام عدم الاستقرار في القرارات الإدارية والتشريعات وتغير القواعد بشكل فجائي.”
ويذكر الكاتب بالدور المحوري الذي لعبته الدولة في جعل “الثقة في الكلمة العمومية” ركيزة استراتيجية وموردًا اقتصاديًا حاسمًا لاستقطاب الاستثمارات الوطنية والأجنبية، وهي أمانة دقيقة تُعرف قيمتها الحقيقية غالباً بعد فوات الأوان.
الخلاصة الأبرز التي يخرج بها شاهد العصر تتمثل في ضرورة التحرر من أسر “أحادية المورد”. فالصيد البحري نشاط مرتبط بالطبيعة، تحكمه حدود بيولوجية وتتأثر استدامته بالتقلبات المناخية والبيئية. وفي مقابل هذه المحدودية، يستحضر الزبدي برؤية تفاؤلية واقعية و حكيمة ما راكمته الاستثمارات الصناعية التي واكبت قطاع الصيد على مدى ثلاثة عقود، من رأسمال بشري ومعرفي وخبرات تقنية متقدمة في مجالات التبريد الصناعي والميكانيك والكهرباء واللوجستيك والروبوتات، إلى جانب مساهمتها في إنتاج المواد الاستهلاكية وتطوير سلاسل التحويل والتثمين.
ويقتضي استحضار هذه الحصيلة الوقوف عند حجم الاستثمارات التي راكمتها الداخلة في مجال الصيد البحري والصناعات السمكية، من وحدات التجميد والتصبير والتحويل شبه الصناعي، إلى المنشآت الصناعية والخدمات اللوجستية والتقنية المرتبطة بها. فقد أسهم هذا النسيج الصناعي في تكوين أجيال من التقنيين والمهنيين، وراكم خبرات في التبريد الصناعي والميكانيك والكهرباء والصيانة واللوجستيك والتحويل الغذائي. وتحولت هذه المنشآت، بفعل الممارسة والتكوين المستمر، إلى فضاءات لإنتاج المهارات ونقل المعرفة، بما يجعلها مؤسسات تكوين مهني غير مباشر، صنعتها التجربة الصناعية اليومية.
يمثل هذا الرصيد قاعدة قابلة للتوظيف في بناء أنشطة صناعية وخدماتية جديدة، وتوسيع مصادر الدخل والتشغيل. ومن هنا تبرز إحدى رهانات الداخلة المستقبلية: تحويل العائدات الطبيعية إلى رأسمال إنتاجي وبشري، يتيح بناء اقتصاد متنوع وأكثر قدرة على الاستمرار، حتى مع تغير الظروف البيئية وتراجع وفرة الموارد في إطار ما يصطلح عليه بالتكيف المناخي و المرونة الاقتصادية. فنجاح التنمية يقاس أيضاً بما تتركه من كفاءات ومؤسسات وخبرات قابلة للتطوير وإعادة التوظيف، وبقدرتها على تحويل تراكمات الماضي إلى فرص اقتصادية للأجيال القادمة.
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم
∗مستشار في الاعلام البحري و التواصل























































































