أعاد السجال الذي شهدته قبة البرلمان المغربي حول رخص الصيد في أعالي البحار طرح سؤال قديم بصيغة سياسية متجددة: كيف نشأ هذا القطاع؟ وما الظروف التي دفعت الدولة المغربية إلى تشجيع الاستثمار الوطني فيه؟ وما حجم الكلفة الاقتصادية والأمنية التي رافقت بناء أسطوله خلال مرحلة دقيقة من تاريخ المملكة؟
في هذا السياق، أصدرت الكنفدرالية المغربية لأرباب سفن ومصانع السمك السطحي (COMAIP) بلاغاً يطرح قراءة تاريخية وسيادية لنشأة أسطول أعالي البحار، مستحضراً الأهداف التي حكمت اختيارات الدولة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بعيداً عن الأحكام السياسية السريعة التي تختزل تجربة قطاعية ممتدة في توصيف واحد هو “الريع”.
البلاغ يفتح ملفاً عريقاً يرتبط بتاريخ السيادة البحرية المغربية، وبالتحولات التي عرفتها الأقاليم الجنوبية، وبطبيعة العلاقة بين الاستثمار الخاص والسياسة العمومية في بناء القطاعات الاستراتيجية، عائداً بنا إلى المرحلة الاستعمارية وما خلفته من اختلالات في استغلال الثروة السمكية بالمجال الصحراوي الأطلسي.
فخلال الوجود الإسباني بالصحراء، ارتبطت المنظومة الاقتصادية للمجال البحري بمصالح الأسطول الإسباني، خصوصاً الأساطيل المرتبطة بجزر الكناري؛ حيث تحولت المصايد الصحراوية إلى مجال اقتصادي حيوي للموانئ الإسبانية، بينما ظلت القيمة المضافة مرتبطة بمنظومة الإنتاج والتسويق الخارجية.
وتوثق دراسات تاريخية عديدة – من أبرزها دراسة الباحثة بياتريس ميدييرو المنشورة سنة 2018 – نشاط السفن الإسبانية وتوجيه كميات مهمة نحو جزر الكناري، مما يطرح تساؤلاً جوهرياً حول غياب نصيب حقيقي لساكنة المجال الصحراوي من تلك الثروة.
وعند استرجاع الأقاليم الجنوبية، اختار المغرب مساراً مغايراً يرمي إلى نقل مركز الاستغلال والتثمين إلى الداخل المغربي، وتكوين رأسمال وطني قادر على الاستثمار في الموارد البعيدة عن الساحل. وتزامن هذا التحول مع تطور القانون الدولي للبحار، ومؤتمر الأمم المتحدة الثالث (1973-1982)، الذي كرّس حقوق الدول الساحلية في مناطقها الاقتصادية الخالصة.
واكب المغرب هذه التحولات بمنظومة تشريعية متدرجة؛ بدءاً بظهير 2 مارس 1973 المحدد للمياه الإقليمية، مروراً بظهير 23 نونبر 1973 المنظم للصيد البحري، وصولاً إلى قانون المناطق الاقتصادية الخالصة لسنة 1981 وقانون الاستثمارات البحرية لسنة 1982. غير أن هذه النصوص احتاجت إلى قدرات وطنية ضخمة في الملاحة والتجميد والتسويق، مما حتم ضخ استثمارات هائلة لبناء حضور اقتصادي وطني فعلي داخل مجال بحري واسع.
تكتسب نشأة هذا الأسطول دلالة مضاعفة عند استحضار السياق الأمني الخطير الذي رافق استرجاع الأقاليم الجنوبية؛ حيث كان المغرب يخوض مواجهة مسلحة لتثبيت وجوده الترابي والبحري، حيث تعرضت سفن الصيد لهجمات مسلحة ومخاطر جسيمة، يوثقها بلاغ «كومايب» باستحضار حادثة سفينة «إدريس» في 11 أكتوبر 1983 التي أودت بحياة بحارين برتغاليين وعسكري مكلف بحماية الطاقم، والاعتداء على سفينة «عين وليلي» في السنة ذاتها ومقتل ثمانية بحارة كوريين جنوبيين.
هذه الوقائع تضع الاستثمار البحري في سياقه الحقيقي؛ إذ اضطرت السفن الوطنية للعمل في بيئة محفوفة بالمخاطر، وتحملت المقاولات تكاليف أمنية وتشغيلية إضافية تضمنت إركاب عناصر عسكرية مسلحة على متنها، لتشكل بذلك جزءاً لا يتجزأ من منظومة الرصد والسيادة الوطنية في عرض البحر. ومن هنا تكتسب العبارة المنسوبة للملك الراحل الحسن الثاني عمقها التاريخي: «لقد أمّنّا البر، ولم يبق لنا إلا أن نؤمّن البحر».
تجاوز أثر هذا الاستثمار حدود النشاط الاستخراجي البحت، ليساهم في تشكيل قاعدة صناعية وخدماتية صلبة بالأقاليم الجنوبية، وخصوصاً بمدينة الداخلة التي تحولت تدريجياً نحو نموذج المدينة ذات القاعدة الصناعية البحرية.
فقد نشأت حول قطاع الصيد مصانع التجميد والتحويل، وحدات التبريد، ورشات الصيانة، وخدمات اللوجستيك والنقل، وهي منظومة وفرت آلاف فرص الشغل، وخلقت طلباً على المهارات التقنية، وأسهمت في استقرار أسر وعمال ارتبط مصيرهم بالقطاع. وتتطلب هذه الحصيلة الاجتماعية اليوم أرقاماً دقيقة وموثقة تقيس حجم الإنجاز الفعلي على مستوى القيمة المضافة المحلية.
يؤكد بلاغ “الكومايب” على نقطة مفصلية في النقاش تتمثل في ضرورة التمييز بين الغاية الاستراتيجية الكبرى التي حكمت تأسيس القطاع وبين الكيفية التي جرى بها تدبير الرخص والامتيازات لاحقاً.
هذا التمييز يفرض قراءة مزدوجة؛ فمن جهة، يتعين الاعتراف بالتضحيات والأدوار التاريخية للدولة والمستثمرين الوطنيين في كسر الهيمنة الأجنبية وترسيخ الحضور الاقتصادي. ومن جهة أخرى، يظل تدبير الموارد خاضعاً بالضرورة لمعايير الشفافية والنجاعة والعدالة الاجتماعية.
إن اختزال هذه المسيرة في شعار سياسي سريع حول “الريع” يفرغ النقاش البرلماني والعمومي من محتواه الحقيقي؛ فالمساءلة المطلوبة تشريعياً يجب أن تنصب على شروط منح الرخص، فحص المردودية الاقتصادية، حماية المخزون السمكي، ومراقبة مدى احترام الالتزامات الاستثمارية والتشغيلية، مستحضرة تاريخ المفاوضات المعقدة مع الأطراف الأوروبية والإسبانية حول المصايد الصحراوية.
تضعنا مساهمة «كومايب» أمام تجربة وطنية تستحق التوثيق والتقييم بعين متوازنة؛ فحماية المخزون السمكي، استدامة المصايد، ضمان الشفافية، وتعزيز القيمة المضافة باتت عناصر مركزية لا محيد عنها.
تستحق الأجيال التي خاضت معركة البناء في ظروف صعبة كل التقدير والاعتراف، كما تستحق الأجيال الحالية سياسة بحرية منصفة تضمن عدالة الانتفاع بالثروة الوطنية وتحمي استمرارية النشاط الاقتصادي.
وفي هذا السياق، يبقى الرهان مطروحاً اليوم أمام البرلمانيين والفاعلين لإعداد تشريعات مواكبة ترتكز على تعزيز الحماية الاجتماعية للصيادين والبحارة ، لتمكينهم من مواجهة التقلبات المناخية والاقتصادية المتسارعة التي تؤثر بشكل مباشر على استقرار مجتمعات الصيد والتنمية المستدامة و كذلك استقرار و استمرار نشاط الصيد.
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم
∗المستشار في الإعلام البحري و التواصل






















































































