تتزايد المخاوف الدولية بشأن مستقبل مخزون التونة ذات الزعانف الصفراء في المحيط الهندي، في ظل تصاعد الضغوط الناجمة عن الصيد المفرط والطلب المتنامي على هذا النوع من الأسماك، الذي يحظى بإقبال واسع في الأسواق العالمية، خصوصاً في منتجات الأسماك المعلبة ووجبات السوشي.
وفي هذا السياق، اجتمع ممثلو 30 دولة، الثلاثاء، ضمن أشغال هيئة مصائد أسماك التونة في المحيط الهندي، في لقاء يمتد على مدى خمسة أيام، لمناقشة التدابير الكفيلة بوقف استنزاف المخزون السمكي وإعادة بناء أعداد هذا النوع، الذي بات يواجه تهديدات متزايدة تهدد استدامته البيئية والاقتصادية.
وتضم الهيئة دولاً ساحلية تمتد من أستراليا إلى كينيا، إلى جانب أطراف أخرى معنية باستغلال المصايد البحرية في المنطقة، حيث يشكل مخزون التونة ذات الزعانف الصفراء محوراً رئيسياً للنقاش، في ظل تحذيرات متصاعدة من المنظمات البيئية والعلمية بشأن تدهور وضعه.
ويرى خبراء البيئة أن هذا النوع، الذي يعيش في المياه الدافئة، أصبح معرضاً لمخاطر الاستنزاف بفعل الصيد المكثف، الذي تتداخل آثاره مع تحديات أخرى، من قبيل التغيرات المناخية والتلوث البحري. وتزداد حدة هذه المخاوف في ظل استمرار ارتفاع كميات المصيد، رغم التحذيرات العلمية المتكررة.
ووفقاً لمعطيات مؤسسة «بلو مارين فاونديشن» البريطانية، فقد ارتفع إجمالي المصيد العالمي من التونة ذات الزعانف الصفراء بنحو الثلث، ليقترب من 450 ألف طن سنوياً، فيما تحذر المؤسسة من احتمال انهيار المخزون خلال السنوات الخمس المقبلة، إذا استمرت وتيرة الاستغلال الحالية دون اتخاذ تدابير فعالة.
وكان الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة قد أدرج هذا النوع ضمن قائمته الحمراء منذ سنوات، في مؤشر على حجم المخاطر التي تهدد استمراره، بينما امتدت تداعيات الأزمة إلى الفاعلين الاقتصاديين، بعدما تعهدت متاجر بريطانية، من بينها «تيسكو» و«كو-أوب»، إلى جانب المجموعة البلجيكية «كولرويت»، بالتوقف عن شراء التونة ذات الزعانف الصفراء القادمة من المحيط الهندي، ما لم يتم اعتماد خطة واضحة لإعادة بناء المخزون السمكي.
وتتركز إحدى أبرز نقاط الخلاف حول أساليب الصيد الصناعية، إذ تعتمد أساطيل فرنسية وإسبانية على تقنيات من بينها الشباك الكيسية، التي قد تؤدي إلى اصطياد كميات من الأسماك الصغيرة قبل بلوغها مرحلة النضج والتكاثر، الأمر الذي يثير مخاوف بشأن قدرة المخزون على تجديد نفسه طبيعياً.
وفي المقابل، تدفع دول ساحلية، من بينها كينيا وسريلانكا، نحو تشديد القيود على بعض ممارسات الصيد، ولا سيما استخدام أجهزة تجميع الأسماك التي تستقطب التونة وأنواعاً بحرية أخرى إلى مناطق يسهل فيها اصطيادها.
وفي هذا الإطار، انتقد ويل ماكالوم، رئيس قسم المحيطات بمنظمة «غرينبيس»، ما وصفه باختلال التوازن بين أساطيل الصيد الصناعية وباقي الفاعلين، معتبراً أن الأساطيل الأوروبية تمارس ضغطاً كبيراً على الموارد البحرية بفضل قدراتها التقنية والتشغيلية، وهو ما يطرح، بحسب تعبيره، إشكالية العدالة في تدبير المصايد وتقاسم منافعها.
ومن جانبها، تطالب جزر المالديف بخفض كميات صيد التونة ذات الزعانف الصفراء بنسبة 15 في المائة مقارنة بمستويات سنة 2015، وهي السنة التي أقر فيها خبراء الهيئة لأول مرة بأن المخزون يعاني من الصيد الجائر.
وكانت الهيئة قد أوصت، خلال السنة الماضية، بخفض المصيد بنسبة 20 في المائة مقارنة بمستويات سنة 2014، غير أن هذا التوجه عرف تراجعاً في يناير، عقب تقييم للمخزون استند إلى معطيات سنة 2018. ومع تأجيل التقييم العلمي الجديد إلى نهاية سنة 2021، برزت مخاوف من أن يؤدي انتظار نتائج الدراسات إلى تأخير اتخاذ تدابير الحماية الضرورية.
وحذرت مؤسسة «بلو مارين فاونديشن» من أن تأجيل القرارات التنظيمية في ظل الوضع الراهن قد تكون له عواقب خطيرة، مؤكدة أن المخزون يواجه خطر الانهيار، وأن الوقت المتاح لتدارك الوضع يظل محدوداً.
وفي سياق البحث عن تسوية، اقترح الاتحاد الأوروبي تقليص إجمالي المصيد من نحو 438 ألف طن سنة 2019 إلى حوالي 380 ألف طن، في خطوة تروم الحد من الضغط على المخزون، وإن كانت المطالب الدولية تتجه نحو اعتماد إجراءات أكثر صرامة وفعالية.
وتكتسي هذه القضية أهمية اقتصادية بالغة، بالنظر إلى القيمة التجارية المرتفعة لهذا النوع من التونة، الذي يشكل مادة أساسية في صناعة المعلبات الغذائية ومنتجات السوشي عبر أسواق أمريكا الشمالية وأوروبا وآسيا. ووفق تقرير صادر عن مجموعة «تاي يونيون»، إحدى أكبر شركات إنتاج التونة المعلبة عالمياً، بلغت قيمة السوق العالمية للتونة ذات الزعانف الصفراء نحو 15.8 مليار دولار سنة 2018، لتحتل المرتبة الثانية من حيث القيمة بين أنواع التونة السبعة.
ويرى مسؤولو «غرينبيس» أن جائحة كورونا ساهمت في تعطيل النقاشات والجهود الرامية إلى مكافحة الصيد الجائر، وهو ما يجعل التحرك الدولي أكثر إلحاحاً لتفادي أضرار بيئية قد يصعب إصلاحها مستقبلاً.
وتعيد هذه التطورات إلى الواجهة تحدياً أساسياً يواجه الحكامة البحرية الدولية، يتمثل في تحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية لقطاع الصيد البحري وضرورة الحفاظ على الثروات السمكية، بما يضمن استدامة الموارد البحرية وحقوق الأجيال المقبلة في الاستفادة منها.
























































































