خلال الأيام القلية الماضية تم اعتراض شحنة مهمة من منتوج الأخبطوط معدة للتبييض تجاوزت العشرين طنا، فيما آلاف الأطنان يتم صيدها بشكل غير قانوني و يتم تهريبها و تبييضها قبل أن تشد الرحال الى وجهتها بالأسواق الخارجية.
العملية ليست هي الأولى و لن تكون الأخيرة فهي ظاهرة طبيعية في قطاع يبيض ذهبا، تضعف أمام “فقيراته السمينة ” النفوس و يوقع القيّمين على حماية الثروة السمكية و تتبع مسار التسويق في رذيلة المشاركة في الجريمة.
هي مسألة قيم لا أكثر، و هو المفتقد للأسف.
فإذا كان قطاع الصيد البحري قد استثمر في التكوين البحري من أجل إعداد يد عاملة متملكة للمعرفة و التقنية ، و مؤهلة لولوج سوق الشغل، فإن ما لا يتلقاه لا الطلبة و لا المتدربون هي القيم قيم الأمانة ، قيم المسؤولية .
قد يزعج هذا التوصيف البعض لكنها الحقيقة المؤلمة. فكل الجرائم المرتكبة من صيد جائر و تدمير المخزون و استنزاف الثروة السمكية و الصيد الجائر باستعمال معدات و وسائل غير قانونية محظورة، و التلاعب في التصريحات و التخلص من المصطادات يقوم بها الربابنة و بتواطؤ مع البحارة، هم منتوج منظومة التكوين البحري ، و كلهم للأسف تلقوا التكوين بمؤسسات التكوين البحري، و كما يقال ” تحصيل حاصل” و “فاقد الشئ لا يعطيه”.
من هؤلاء المجرمين و ذوو السوابق في انتهاك القانون من يتسرب الى الوظيفة العمومية ليستمسك بمقاليد التسيير و التدبير و المراقبة و يجعل أكبر همه “الفقيرة” و مبلغ علمه الافتاء في التحايل ، إلا من رحم ربي.
و بالتالي فلا عجب أن يمر تبييض المهربات عبر أيادي القيّمين على قطاع الصيد، و يتم غض الطرف عن المصطادات غير القانونية بل و تسهيل ترويجها في السوق(الحوت بثمن معقول)، و حتى إعفاء الجناة بعد تحريك الخطوط الساخنة، و أكثر من ذلك الانقلاب على الدستور و مضامين الخطب الملكية و القوانين و المنظمة، و تحول(بعض) القيمين على القطاع الى وسائل و أدوات يتحكم فيها صناع القرار من لوبيات الصيد و في الحد الأدنى وكلاء تسويق.
هي أزمة قيم، حتى بات التشبع بها سبة و نشاز بل و إعاقة لحسن سير المنظومة الفاسدة.
و لأن ما يصبوا اليه عموم مجتمعات الصيد البحري هو استدامة أنشطتهم المدرة للدخل و المحافظة على استقرار استثماراتهم، و لو بخرق القانون و التحايل عليه، بسبب و ارتفاع حدة المنافسة بين مكونات سلسلة القيمة في ظل واقع سوسيو اقتصادي جد متقلب.
فإن أهم ورش يجب الانخراط في ترسيخه هو “العدالة”، ليس تلك المتعلقة بالقضاء ، و إنما العدالة المجالية و العدالة في توزيع الثروة السمكية و العدالة في توزيع حصص الصيد و العدالة في الولوج الى الاستثمارات و العدالة في الولوج الى المصايد، ثم العدالة في المراقبة و في تطبيق المساطر و القانون.
و هذه القيمة لا يمكن تجزيؤها ، بالحديث فقط عن أنشطة الصيد و تقنيات الصيد و التنمية الاقتصادية و الاجتماعية و انتاج ترسانة قانونية تتبخر أمام قوة “الفقيرة”، بل هناك شق أخر مغيب و هو الجانب الكوني و الحق المشترك بين الإنسانية في بيئة مستدامة ، و أمن غذائي وتنمية الاستثمارات و توفير فرص الشغل للأغيار….
هذا الورش الذي لا يمكن حتى وضع لبنة من لبناته إلا بوجود إرادة قوية من القيمين على تدبير شؤون قطاع الصيد البحري، حيث يصدق القول لا يستقيم الظل و العود أعوج.
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم
مستشار في الإعلام البحري و التواصل.






















































































