قبل أربع سنوات و تحديدا سنة2018، و على ضوء نتائج الإنتخابات الخاصة بمنتصف الولاية مكاتب غرف الصيد البحري، التي شهدت ابشع عملية انقلابية استعملت فيها كل الوسائل للإطاحة بالرئيس السابق عبد الرحمن سرود، لتمكين خلفه جواد لهلالي من قيادة الغرفة، كشف الحدث حقيقة مرة عن قطاع الصيد البحري، حيث لا صوت يعلو فوق صوت المصلحة الخاصة.
الظاهر آنذاك و ان بدا تدوالا على السلطة في اطار عملية ديمقراطية ، فقد كان من زاوية رؤية نادي الصيد بأعالي البحار، استغلالا/استثمارا لوضع اعتباري “نسيب لوزير” للحفاظ على المكتسبات و انتزاع مزيد من الفوائد و هو الحلم الذي اصطدم بصخرة “اللي فراس الجمل فراس الجمال” ، قبل أن يستقر على “السيطرة” ثم الواجهة ثم الصفة…وتسقط ورقة التوت، أما الباطن فكان الصراع بين فصيل الصيد الساحلي و صنف الصيد الصناعي(السفن المجمدة)،و تصفية الحسابات مع “كمال صبري” و العمل على تحجيمه،و ما ربما ما لا يعلمه الكثير حتى من فصيل الصيد بأعالي البحار أن الصراع كانت تدير أطرافه أطراف أخرى من خلف الستار.
آنذاك ارتفعت حدة الاحتقان الى درجة خروج محمد أوملود رئيس جامعة غرف الصيد البحري و شيخ الكنفدرالية الوطنية للصيد الساحلي بتصريحات لاذعة ضد الرئيس الجديد لهلالي، فيما انطلقت الحرب الباردة لتكشف الكنفدرالية الوطنية للصيد الساحلي عن نيوبها، زعزعت أركان وزارة الصيد البحري بترويج مشاكل القطاع العالقة لدى الأحزاب السياسية و جاء التقريع من حزب الاستقلال.
السياسة إذن هي البعبع الذي يقض مضجع ضمير قطاع الصيد البحري و يربك حساباته التي تقوم على “الاستقرار”، أو ما يسمى مجازا ب”وحدة الصف/وحدة الكلمة”، و هو في الحقيقة مجرد “شعار” يخفي وراءه ” التحكم و السيطرة” من أجل “الحفاظ على المصالح”، و هو ما يفسر كيف اشتغل مهندسو الأحرار على ضم جميع القيادات و الفاعلين تحت جناح حزب “لوزير”.
وحدة الصف و وحدة الكلمة/كانتا دوما ما تدخل في تركيبة خطاب الحاج محمد اوملود عندما كان رئيسا للكنفدرالية الوطنية للصيد الساحلي، و هي أفيون الاستقرار و الانبطاح و التنازل ، وهي نفسها كلمة السر التي استدرجت أصدقاء منير الدراز الى حضور أشغال الجمعية العمومية لتجديد مكتب جامعة غرف الصيد البحري، وإتمام النصاب القانوني و إضفاء الشرعية، قبل أن يقلب هذا الأخير الطاولة على الجميع و ينسحب هو و فريقه لظروف فصَّل فيها و بإسهاب بنجلون خلال خرجته الإعلامية المصورة.
الشهاد من الأحداث أن جهات التحكم في قطاع الصيد البحري تشتغل على مدار الساعة للحفاظ على مصالحها الخاصة فقط ، لا يهم شعارات حماية الثروة السمكية بقدر من يستعمل الشعار لابتزاز الصمت أو الردع مادام هناك ريع سمكي و توزيع غير عادل للثروة . لا يهم واقع “البحري” او مستقبله بقدر ما يعتبر هذا الأخير درعا بشريا يستعمل وقت الحاجة ، و لنا في حراك “البانضو”، و معتصم أرباب قوارب الصيد أمام مقر وزارة الصيد البحري ، و زيادة “جوج دريال”….
لاتهم استراتيجية اليوتيس و اختلالاتها بقدر ما تبقى درعا واقيا اكتسب قدسيته بعد مباركتها من طرف صاحب الجلالة.
ربما ما أثاره مقال بجريدة الصباح في ركن “تحت الدف” الصادر قبل يومين، لامس حقيقة مرة في قطاع الصيد البحري، حيث تختلط السياسة بالمال.
و لأن السياسة في قطاع الصيد البحري هي كلمة سر “الأربعون حراميا” لفتح بوابة مغارة “علي بابا” و ما تحويه من كنوز و ريع سمكي ، فقد كانت دوما الجهات المنتفعة من الوضع تحذر من “تسييس القطاع” ، و هي عملة ذات وجهين، وجه فيه الاستقرار و آخر فيه الإستحمار.
فأما الاستقرار فهو مرادف الأمن الاقتصادي و الاجتماعي في قطاع موسوم بالهشاشة ، و الكل يعي أهمية كل حلقة من سلسلة القيمة التي قد تبدء بالمغرب و تنتهي باليابان . و أما الإستحمار فهو “تخراج العينين” عندما يكون جميع الفاعلين المتحكمين بدواليب قطاع الصيد البحري قيادات في الأحزاب السياسية و في الحد الادنى اكتسبوا عضوية الغرف الدستورية و المجالس عبر عملية سياسية صرفة.
و قد شهدنا كيف ارتمى عدد كبير من مهني الصيد البحري في أحضان منتدى الصيد البحري لحزب الأصالة و المعاصرة ليس حبا في الحزب و لا تمرينا سياسيا بقدر ما كان وجها بشعا من الانتهازية و صورة حية تكعس عقلية القطيع التي تعم القطاع.
أخطر وصف للحالة هو ما جاء في مقالة كاتب ركن “تحت الدف” نشرته جريدة الصباح أمس14 يونيو أن المتحكمين في القطاع “يتلونون بلون وزير القطاع” ، ما يضع الوزير الوصي على القطاع بين المطرقة و السندان، بين القرار الإداري و القرار السياسي.
و ربما من أبرز هذه المشاهد ما يجري في ميناء بوجدور الذي تحول الى “وقف” خالص لنادي السردين الذهبي، فيما مراكب الصيد بالخيط و بالجر ممنوعة من استغلال المرفق العمومي و ما أهلّ اليه ، و و “وقف” مصفوفة الأخطبوط في مخطط أكل عليه الدهر و شرب و انتفت موجباته على نادي السفن المجمدة، أو “وقف” مصيدة جراد البحر، أو “وقف” سمك ابوسيف و التونة الحمراء …غيرها من الأوقاف و الشؤون السمكية.
الشاهد أن ما خلفته تداعيات محاولة إخراج غرفة الصيد البحري المتوسطية من المشهد بطريقة أقل ما يمكن وصفها ب”المذلة”، حاقت على أهلها، و قابله موقف صارم غير متوقع بانسحاب ب”ميزة شرف” سيبقى محفورا في الذاكرة الجمعية لقطاع الصيد البحري.
أكثر من ذلك ما أثاره من جدل و تعاطف كبيرين ينذر بتشكيل تحالفات جديدة على الساحة، بعدما تهالكت قوى أسطول السفن المجمدة، وتم ابتلاعها و تطويعها ب”السياسة” – و هي القوة التي كانت تمسك الى وقت قريب بدفة التوازنات- .
الحدث لن يمر مرور الكرام، اذ سيحفز كثيرا من المضطهدين نتيجة السياسات و القرارات المتعاقبة خصوصا من الصيد بالخيط الذي يعيش الخذلان مند تأسيس ما يسمى بفدرالية “الكوربين مقابل الكلامار”، و حثما ستظهر بوادر انتفاضة المتضررين من تداعيات الأزمة الاقتصادية، و كل من له مصلحة. ليس بالضرورة ميدانيا لكن حثما ستنقل المعارك الى قبة البرلمان، و أجهزة أخرى أصبح لولوج اليها في متناول العامة قبل الخاصة.
في اعتقادنا المتواضع، فإن تصريحات بنجلون جد خطيرة عندما المح الى سيطرة حزب التجمع الوطني للأحرار على المشهد المهني، ما سيضع وزير الصيد البحري و رئيس الحكومة في موقف حرج، عندما يتحول مناضلو الحزب من رؤساء الغرف و أعضاءها الى هدف مكشوف في الوقت التي يعاني فيه الشعب من التفقير و الفرم و السحق.
لكن بين هؤلاء و هؤلاء هناك جهات لها المصلحة من نشوب صراع قد يضعف موقف الوزير الجديد أمام الراي العام و هو الوافد الجديد على قطاع لايعلمه الا أهله و لا يخبره الا قليلون.
كتبها للمغرب الأزرق حاميد حليم
مستشار في الإعلام البحري و التواصل.






















































































