كتبها للمغرب الأزرق
اسباعي مولود، باحث في العمل التشريعي
على خلفيات الإضراب الوطني الذي نظمه موظفي الوزارة المكلفة بالصيد البحري يوم الخميس 17 نونبر 2016 والذي أعقبه وقفة احتجاجية أمام مقر الوزارة المعنية، تناقلت بعض الصحف (المكتوبة والإلكترونية) التي عاينت بعض الهفوات التي عادة ما تصاحب الوقفات الاحتجاجية، إلا أنها لم تركز على الهدف الأسمى من وراء هذا الإضراب العام، والمتمثل(حسب المنظمين) أساسا بالمطالبة بإطلاق سراح الموظفين المعتقلين بالسجن المدني بالحسيمة في قضية الحدث المميت الذي أودى بحياة “الفقيد محسن فكري رحمه الله “.
فالإضراب العام جاء لتنوير الرأي العام على إقرار براءة المعتقلين بسبب أداء المهام الوظيفي والذي يمليه الواجب الوطني. لأن قضية الاعتقال يشوبها كثير من الغموض، رغم كثرة التأويلات والمخرجات التي تم اعتمادها سواء من طرف الصحف الوطنية المكتوبة والإلكترونية أو ما تداولته وسائل التواصل الاجتماعي، وهي أغلبها مقاربات إما اجتماعية( تشير أن المتوفى محسن كان المعيل الوحيد لأسرته) أو مقاربة اقتصادية (تتحدث عن عدم الصبر على فقدان إتلاف أزيد من 60 ألف درهم وهو رأسمال الفقيد محسن)، وهناك مقاربة تقنية(تتحدث عن الإتلاف في الشارع العام وعدم تقديمها إلى المؤسسات الاجتماعية)، وهناك مقاربة سياسية(أصحابها يدّعون أنها مؤامرة انتقامية ضد النجاح التجاري الذي عرفه المتوفي قيد حياته). وهذه التأويلات تضعنا أمام عدة تساؤلات، تساؤلات مصحوبة وتوحي بالخوف من مهب الخروج عن القانون والتشبث بالفوضوية، كأننا في دولة ما زالت في بناءها الجنيني متناسين أننا نُخلد الذكرى الستين للاستقلال السياسي للبلد، وأننا في دولة تعيش في كنف الدستور السادس، وأننا في ظل الولاية البرلمانية العاشرة، وكأننا تناسينا أننا في دولة الحق والقانون، وأننا في دولة تؤمن بالديمقراطية وتتحاكم إلى القانون، وبالتالي فيجب وضع الأحداث في إطارها القانوني.
كثرت التأويلات حول خلفيات القضية التي تختصر في “أن الشرطة أوقفت سيارة تحمل أسماك ممنوعة وتم إحالتها على السلطات البحرية والتي قامت بدورها بإتلاف هذه الأسماك بعدما ثبت لها من قبل الطبيب البيطري المختص أنها ليست صالحة للاستهلاك” وتم الافتقاد إلى المقاربة القانونية، وعلى سبيل المثال لا الحصر: هناك من يرى أن هناك تداخل الاختصاص بين الشرطة والسلطات البحرية؛ هناك من رجح تقديم الأسماك المحجوزة إلى المؤسسات الاجتماعية؛ وهناك من تحدث عن وجود محضر الإتلاف بدون محضر الحجز؛ وهلم جر…
لذات السبب حاولنا أن ندلو بدلونا في هذه القضية من الزاوية القانونية -ونتمنى أن نكون قد جانبنا الصواب- وذلك لتنوير الرأي العام حول خلفيات المرجعية القانونية التي نظن أنه تم اعتمادها من طرف اللجنة التي عاينت المخالفة وباشرت عملية الإتلاف للأسماك المحجوزة والتي ذهب ضحيتها “المسمى قيد حياته محسن فكري ” والتي نرى- أي المرجعية القانونية- أنها سليمة ولا تستدعي توقيف أعضاء اللجنة ووضعهم قيد الاعتقال.
ففي البداية لابد التذكير على أن الثروات البحرية تعتبر من الأملاك العامة، وبالتالي فالمحافظة عليها وحسن استغلالها يبقى من أولى الأولويات التي تعتمدها السلطات المكلفة بالصيد البحري في ظل مخطط أليوتيس الذي يبقى من بين مرتكزاته الأساسية، مبدأ الاستدامة، أي المحافظة على الثروات السمكية للأجيال القادمة وحمايتها من الاستنزاف والاستغلال المفرط، لذلك فإنها تعتمد سياسة تهيئة المصايد، وعليه تم منع صيد سمك” أبوسيف” ابتداء من فاتح أكتوبر إلى غاية 30 نونبر.
أما فيما يخص محضر الحجز، فإنه يمكن الاكتفاء بمحضر الشرطة القضائية، والتي يخولها القانون بمقتضى الفصل 43 من ظهير 1973 المنظم للصيد البحري، والمادة 25 من القانون 14.08 المتعلق ببيع السمك بالجملة، حيث ينص في فقرته الأولى على:” علاوة على ضباط الشرطة القضائية، يكلف بالبحث عن مخالفات أحكام هذا القانون…مندوبو الصيد البحري والأعوان المؤهلين لهذا الغرض من لدن السلطات الحكومية المكلفة بالصيد البحري…”، لذلك نرى أنه ليس هناك ما يدعي وجوب إعداد محضر الحجز من طرف السيد المندوب أو رئيس مصلحة الصيد البحري، لأن من قام بالحجز هو الشرطة وليس أحد آخر، وبناء على المحضر الأول(الشرطة) تم تحرير مسودة محضر الإتلاف الذي لا يلزمه القانون. لذلك نرى أنه ليس هناك أي تداخل في الاختصاص بين الشرطة ومندوب الصيد البحري.
أما فيما يخص إحالة المحجوز على المؤسسات الاجتماعية أو إتلافها، فلابد من التذكير على أن المنظومة التشريعية المتعلقة بالصيد البحري وخاصة ظهير 23 نونبر 1973 المنظم للصيد البحري، فقد خضع إلى مجموعة من التعديلات، وأبرزها المادة 47 و المادة 48، حيث تم تعديلها على التوالي بمقتضى المادة 35 والمادة 36 من القانون رقم 15.12 المتعلق بالوقاية من الصيد غير القانوني وغير المصرح به وغير المنظم ومحاربته.
فبمقتضى الفصل 48 من ظهير 1973 كما تم تعديله وتتميمه فإن البحث عن المخالفات تتم على ثلاث مستويات: 1)على مستوى الباخرة، 2) وبدون السفينة، 3)وأثناء التسويق، وبالتالي فإن اختصاصات مندوبو الصيد البحري فيما يتعلق بسلطات تتبع المنتوجات البحرية توسعت إلى خارج الميناء لتشمل التسويق. لذلك ففي حالة قضية الحسيمة فعملية إتلاف المحجوزات، تم من خلال السلطات التقديرية الواسعة الممنوحة لمندوب الصيد البحري عند المعاينة، جعلته يستدعي الطبيب البيطري المتخصص في السلامة الصحية للمنتجات الغذائية، وبناء على تقرير هذا الأخير، واستنادا إلى البند الثالث من الفصل 48 من ظهير 1973 كما تم تعديله وتتميمه، حيث ينص في فقرته الثالثة على ” .ويتم على الفور، إتلاف الأصناف البحرية التي لا تستجيب لشروط السلامة الصحية للمنتجات الغذائية على نفقة مرتكب المخالفة وتحت مسؤوليته.” ومما سبق يتضح أن احتراما لقرار المشرع الذي اشترط الفورية(عندما نص على الفور) ما جعل المندوب واللجنة المشتركة تتخذ قرار الإتلاف على متن سيارة نقل وسحق النفايات، وليس هناك ما يحدد لا مكان أو زمان أو طريقة أو كيفية الإتلاف أو الوسائل المستعملة في الإتلاف، أي سكوت المشرع عن هذا المضمون. ومن هنا يتضح سبب عدم سلك الحل الآخر الذي ينص على توزيع الأصناف البحرية المحجوزة على المؤسسات الاجتماعية التي تشترط الاستجابة لشروط السلامة الصحية.
يتبع























































































