المغرب الأزرق
في 26 إبريل من عام 1956، رصد رجل الأعمال الأمريكي مالكولم ماكلين ناقلة النفط المحوَّلة تغادر ميناء نيوارك في نيوجيرسي، وهي تحمل 58 اختراعًا من اختراعاته: حاوية الشحن النمطية. وبحلول عام 2015، استطاعت أكبر سفينة حاويات في العالم حمل حوالي 20 ألف وحدة من وحدات الشحن، حيث تكافئ مساحة سطح السفينة ما يعادل ثلاثة أضعاف ونصف ضِعْف مساحة ملعب كرة القدم.
تحمل أكبر سفن الحاويات ما يُقَدَّر بنسبة %90 من السلع الاستهلاكية العالمية، مثل الملابس، والمواد الغذائية (البضائع غير السائبة). وقد نمت تجارة الحاويات المنقولة بحرًا من 100 مليون طن في عام 1980 إلى حوالي 1.6 مليار طن بحلول عام 2014، حيث يتم نقل الحاويات القياسية بأبعاد 20 قدمًا (6 أمتار) بالاستعانة بالنظم الآلية التي تربط الموانئ، والمطارات، ومحطات القطار. وتحمل السفن الأكبر المزيد من الحاويات، وتستهلك كميات أقل من النفط في الحالة المثالية، كما أنها تنشر عناصر ملوِّثة أقل لكل وحدة من البضائع المنقولة.
مع ذلك.. تُعتبر التكاليف البشرية والبيئية للشحن كبيرة جدًّا، حيث يحتوي زيت الوقود البحري ذو الدرجة الحرارية المنخفضة على كمية كبريت تعادل 3,500 ضعف كمية الكبريت الموجودة في الديزل البري. وتُلَوِّث السفنُ الكبيرة الهواءَ في الموانئ المحورية، وهو ما يمثل نسبة ثلث إلى نصف الملوثات المحمولة جوًّا في هونج كونج، على سبيل المثال. وتتسبب الجسيمات المنبعثة من السفن في حدوث حالات وفاة، يُقَدَّر عددها سنويًّا بـ60 ألف حالة وفاة في جميع أنحاء العالم، وذلك نتيجة الإصابة بسرطان قلبي رئوي، وسرطان رئوي. وهكذا، يؤدي توسيع الموانئ ـ بهدف استيعاب السفن الضخمة ـ إلى تدمير النظم البيئية الساحلية، كما أن أساطيل السفن الصغيرة التي عفا عليها الزمن تُلَوِّث البحار، والتربة، وتدمر صحة العمال في الدول النامية على وجه الخصوص.
واليوم، تقف الصناعة البحرية على مفترق طرق، حيث تتداعى الأرباح المتوقَّعة من السفن الكبيرة، نتيجة الطاقة الزائدة؛ مما يؤدي بالتالي إلى تباطؤ التجارة، وهبوط أسعار النقل، إذ إنه في عام 2015، انخفضت أسعار شحن الحاويات في الطرق الملاحية الأكثر انشغالًا في العالم ـ بين آسيا، وأوروبا الشمالية ـ بحوالي %60 خلال ثلاثة أسابيع؛ الأمر الذي أسفر عن إفلاس الكثير من شركات النقل البحري، ومنها شركة «كوبنشيب» الدنماركية Copenship، وشركة «نانتسينج» الصينية Nantsing. ووصل الأمر إلى إعلان مجموعة «ميرسك» الدنماركية Maersk ـ التي تعمل في مجال نقل الحاويات العملاقة ـ أنها تعتزم تسريح 4,000 موظف بحلول عام 2017، وأنها سوف تتخلى عن طلبات بناء السفن العملاقة المتأخرة، أو الملغاة.
وهنا، تواجِه الشركات مأزقًا، فهي في حال انسياقها وراء موجة التصعيد، ستجازف بكونها أقل قدرة على المنافسة، إلا أن تشغيل السفن العملاقة بجزء من قدرتها الكاملة يقوض مزايا الحجم الضخم والاقتصاد في استهلاك الوقود الناتج عنه؛ حيث تستهلك السفن وقودًا ـ مقابل كل حاوية عليها ـ بنسبة أكبر عند تحميلها بنصف الحمولة، بدلًا من الحمولة الكاملة.
إن المستقبَل هو للشحن صديق البيئة. والمقصود به هنا هو النقل البحري الفعال، المترافق مع الحد الأدنى من الضرر الصحي والبيئي. وهنا، تظهر الحاجة إلى تطبيق ممارسات أقل تلويثًا، خاصة بشأن تحويل السفن إلى خردة، والتحكم في الانبعاثات، وإدارة الموانئ. وسيستلزم تحقيق هذا المطلب جهودًا بطولية من جانب الصناعة، والمهندسين العاملين في قطاع الصناعة، وذلك بالتعاون مع المنظِّمِين، وسلطات الموانئ ومجتمعاته. وعند تحديد الطرق الملاحية المثلى، وأساليب تسليم البضائع، لا بد من أَخْذ الآثار البيئية بعين الاعتبار.























































































